الفصل الثالث
لماذا تختلف الهيمنة الأميركية عن الإمبراطورية البريطانية؟
التاريخ كما يقال هو الخطاب، ذلك أنه لا يمكن فهم التاريخ إلا بفهم اللغة التي يفكر بها الناس، وبها يتكلمون ويتخذون قراراتهم. بل إن من بين المؤرخين الذين يستهويهم ما يسمى"الدائرة اللغوية المفرغة"من يذهب إلى أن ما تنطوي عليه كلمات عصر من العصور من أفكار ومفاهيم هو ما يفسر ما وقع في ذلك العصر ولماذا. غير أنه في الأزمنة التي نعيشها، وكذلك موضوع المحاضرة الماسية (Massey lecture) التي ألقيتها، ما ينبغي أن يكون كافيا لبث الريبة في نفوسنا تجاه هذه الافتراضات. فكلاهما مشبع. ما سماه الفيلسوف توماس هوبز (Thomas Hobbes) "الخطبة الجوفاء" (insignificant speech) - أي التي لا معنى لها وما تنطوي عليه من کنايات، وما سماه جورج أورويل (George Orwell) "الكلام الجديد" (newspeak) ، وتحديدا الخطبة التي يراد منها قصدأ التضليل من خلال تقديم وصف مضلل. لكن ما لم تتغير الحقائق نفسها، فلا يقوى تغيير الأسماء مهما كان على تغييرها، أو كما يقال: لا مشاحة في الاصطلاح
وفيما يجري في هذه الأيام من نقاشات حول الإمبراطورية أمثلة جيدة في هذا السياق، حتى لو تركنا جانبا البعد الدعائي أو النفاق الواضح في الأدبيات. فهذه النقاشات تدور حول ما تتضمنه دعاوي حكومة الولايات المتحدة للتفوق العالمي. فأما أولئك الذين تستهويهم الفكرة فحجتهم أن الإمبراطوريات حسنة، وأما من لا تقنعهم الفكرة فيذهبون الحشد كل ما قيل من الحجج المناوئة للاستعمار عبر تاريخ طويل. لكن هذه الدعاوى وما يضادها لا تعالج التاريخ الحقيقي للإمبراطوريات، بقدر ما تحاول أن تلبس أسماء قديمة لتطورات تاريخية لا تتطابق بالضرورة مع حقائق قديمة، وهو على كل حال أمر مقبول في المنطق التاريخي.