الصفحة 15 من 139

لم يشهد تاريخ الإنسانية كالقرن العشرين غرابة، بما حل فيه من كوارث، وجد من اختراعات، ووقع من قدرة لدى البشر على تغيير وجه هذا الكوكب أو ربما إفساده، بل النفاذ من أقطار السماوات والأرض.

والكتاب الذي نقدمه اليوم للقارئ العربي يضم بين دفتيه عددا من المقالات الممتعة لمؤرخ يعد من أشهر المؤرخين البريطانيين، إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق، لا مكن المرء من رؤية ملامح ذلك القرن فحسب، بل تمضي به إلى تلة

م شرفة يستطيع من عليها أن يلقي نظرة يستشرف بها آفاق المقبل من الأيام، مما تمخض عنه ذلك القرن العجيب.

ولعل ما سيلفت نظر القارئ أن المؤرخ في مقالاته هذه، تجاوز كعادته الوصف إلى التحليل، والسرد إلى التمحيص، والتعامل مع الأحداث منفصلة إلى تلمس أوجه الترابط بينها، ومصاقبة الأشباه منها والنظائر، وبيان أثر كل منها في غيره، تسعفه في ذلك أدوات البحث الحديثة، وتدعم تحليلاته الإحصائيات والأرقام، فهو لم يقصر وظيفته على تذكر ما نسيه الآخرون أو تناسوه، أو رسم لوحة تاريخية الأحداث قرن خلا من الزمان، اتسم في جوانب كثيرة منه بالغلو والإفراط، مهما كانت تلك اللوحة مثيرة ومتنوعة ولافتة، ولكنه اختار لنفسه أن ينظر إلى الأحداث من مكان بعيد، أبعد ما يكون عن الحاضر، ليرى الأمور في سياقها الأرحب ومداها الأطول، ويقدم صورة تفاعلية متكاملة، تزاوج بين الماضي والحاضر والمستقبل، تستبطن ما يخبئه قابل الأيام بما أسفر عنه غابرها، وتكشف ماضيها بعين حاضرها، في مزج بين مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

فقد حاول المؤرخ في هذه المقالات استقراء وضع العالم في مطلع الألفية الثالثة، وسبر بعض ما نواجهه اليوم من مشاكل سياسية رئيسية، وقد سبق أن نشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت