الصفحة 87 من 139

إن النقاشات المعاصرة كثيرا ما تتسم بالضبابية، لأن الكلمات الأشد النباسا ماتسعى له الولايات المتحدة من التفوق العالمي هي كلمتا"الإمبراطورية"و"الاستعمار"، اللتين تتناقضان تناقضا صريحا مع التعريف الذاتي السياسي التقليدي للولايات المتحدة، وقد أصبحتا محط بغض عالمي في القرن العشرين. كما أنهما تتعارضان مع بعض ما في النظام القيمي السياسي للولايات المتحدة من معنقدات إيجابية تحظى بنفس القدر من القبول على الصعيدين المحلي والدولي، مثل"تقرير المصير"و"القانون". ثم لا يغيب عنك أن عصبة الأمم والأمم المتحدة كلتيهما إنما

كانتا أساسا مشروعين انطلقا برغبة رؤساء الولايات المتحدة وتحت ضغطهم ورعايتهم. ومن الإشكال أيضا أنه ليس ثمة سابقة تاريخية لما تحاول الولايات المتحدة تأسيسه من تفوق عالمي، إذ من الواضح لأي مؤرخ معتبر ولكل ذي بصيرة من المراقبين للمشهد العالمي أن مصير هذا المشروع سوف يكون الإخفاق، أكاد أقول: لا ريب في ذلك. إن أكثر منظري مدرسة الإمبريالية الجديدة ألمعية، وهو المؤرخ الممتاز نبيل فيرغوسن (Niall Ferguson) ، لا يرتاب في هذا الإخفاق المحتمل، مع أنه خلافا لي- يأسف له (1)

لمحة تطورات أربعة تكمن خلف المحاولات المعاصرة لإحياء إمبراطورية عالمية کنموذج للقرن الحادي والعشرين. أولها، التسارع المذهل للعولمة منذ الستينيات وما تسببت به من توترات بين الجوانب الاقتصادية والتقنية والثقافية وغيرها من جوانب هذه الحركة، وبين الجانب الأوحد من النشاط الإنساني الذي أثبت إلى الآن ممانعة لها، وهو السياسة. فالعولمة في نموذج رأسمالية السوق الحرة، الذي بات الآن طاغية، جلبت أيضا زيادة رهيبة في التفاوت الاقتصادي والاجتماعي قد تؤدي إلى انفجار على الصعيدين الداخلي والدولي.

الثاني، هو انهيار توازن القوى الدولي منذ الحرب العالمية الثانية، الذي كان حائلا دون نشوب حرب عالمية ووقوع أجزاء كبيرة من العالم في الفوضى وغياب السلطة. ولكن كانت نهاية الاتحاد السوفيتي قد قضت على هذا التوازن، فإنني أعتقد أنه ربما بدأ في التأكل منذ أواخر السبعينيات، وصولا إلى سنة 2002 إذ تنصل

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النصب الضخم؛ نهوض وسقوط الإمبراطورية الأميركية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت