وقد قيل قديما إنه"لم يزل خير ما يدافع به عن الإمبراطوريات هو أنها تصون النظام" (4) . فمن الطبيعي إذن، في عالم لا ينفك آخذا في الفوضى والاضطرابات، الحلم بوجود قسوة ما يكون بمقدورها إرساء النظام وحلب الاستقرار، وما الإمبراطورية إلا اسم ذاك الحلم، فهي أسطورة تاريخية. إن الإمبراطورية الأميركية في أمانيها لتؤسس"سلامة أميركيا"، إنما تستلهم نموذج السلام البريطاني، أي فترة
م ن العولمة والسلام العالمي في القرن التاسع عشر اتسمت بهيمنة الإمبراطورية البريطانية التي اقتفت بدورها آثار السلام الروماني إبان الإمبراطورية الرومانية. لكن هذا هراء، فلو كان للمصطلح"السلام" (Paix) من معنى معين في هذا السياق، فهو دعوى نشر السلام ضمن حدود إمبراطورية، وليس بين دول العالم. وحتى عندئذ فإنها تكون زائفة إلى حد كبير، فإن الإمبراطوريات عبر التاريخ قلما توقفت
ع ن القيام بعمليات عسكرية على أراضيها، كما أنها كانت بلا ريب تقوم بذلك على حدودها طيلة الوقت. ومثل هذه العمليات فحسب هي التي لم يكن لها في الغالب تأثير سيئ على المواطنين المدنيين. في الحقبة الاستعمارية للقرنين التاسع عشر والعشرين، لم يعد الناس الحروب ضد غير البيض أو غيرهم من الطبقات الدونية - ممن وصفهم كبلنغ (Kipling) بأنهم"دون بلا قانون" (5) - حروبا رسمية تنطبق عليها القواعد الاعتيادية للحروب. يتساءل هيو ستراتشان (Hew Strachan) بحق: إلى أين كان السجناء يساقون في النزاعات الاستعمارية البريطانية، باستثناء حرب البوير (التي كان ينظر إليها على أنها حرب بين البيض) ؟ ما الإجراءات القضائية التي كانت بع؟ )) ولذلك فإن عصابات الرئيس بوش من"المقاتلين غير القانونيين"في أفغانستان والعراق، الذين لا تنطبق عليهم القوانين ولا معاهدات جنيف، ليست بدعا من الأمر، بل لها سابقون استعماريون.
إن السلام العالمي، وحتى الإقليمي، لم يكن في متناول قوة جميع الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ حتى الآن، كما أنه حتما فوق قوة جميع القوى العظمى في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(4) فيرغوسن، في المصنف المذكور، ص 28. (5) لعل کبلئغ يقصد هنا الألمان، إذ لا يتوقع منه أن ينتقص الملونين الذين ولد فيهم وتكلم لغتهم
وعاش طفولته بيلهم، وعلاقة الإمبراطورية البريطانية برعاياها كانت بالغة التعقيد ولا يمكن
بحال أن تختزل في عبارة كبلنغ هذه. (المترجم) (6) ملحق التايمز الأدبي Times Literary Supplement TLS، (لندن) ، 29 يوليو 2005،