الصفحة 77 من 139

لكن السؤال الحقيقي هو: هل يمكن نجاح مشروع سيطرة دولة واحدة على العالم، وهو أمر ليس له سابقة في التاريخ؟ وهل في وسع التفوق العسكري الأميركي الذي لا جدال فيه أن ينهض بهذا المشروع ويمده بأسباب البقاء؟ والجواب على ذلك: كلا، فالسلاح كثيرا ما أسس إمبراطوريات، ولكن توفير أسباب بقاء هذه الإمبراطوريات يحتاج إلى أكثر من السلاح. ولعل قوة مأثورة يرجع إلى نابليون يلخص ذلك:"يمكنك فعل ما تشاء بالحراب سوى الجلوس عليها"، ولاسيما اليوم، إذ حتى القوة العسكرية المهولة لم تعد تنتج بنفسها قبولا

ض منيا. بل إن أكثر الإمبراطوريات التاريخية حكمت حكما غير مباشر، عبر تخب محلية غالبا ما كانت تدير مؤسسات محلية. فعندما تفقد الجيوش قدرتها على استقطاب أعداد كافية من الأنصار والمتعاونين من بين رعاياها فإنها لا تعود کافية. وقد أدرك الفرنسيون أنه حين مليون مستوطن من البيض، وجيش احتلال قوامه 800 ألف جندي، وهزيمة عسكرية"للمتمردين"عبر مذابح وتعذيب مقنن، كل ذلك لم يكن كافيا لإبقاء الجزائر فرنسية.

لكن لماذا علينا أن نسأل هذا السؤال؟ وهذا يقودني إلى الأحجية التي أريد أن أختم بها محاضرتي. لماذا تخلت الولايات المتحدة عن السياسة التي حافظت على هيمنة حقيقية على الشطر الأكبر من المعمورة - وهو الجزء غير الشيوعي وغير المحايد"بعد سنة 1945؟ فمقدرتها على ممارسة هذه الهيمنة لم تعتمد على تدمير أعدائها أو إجبار المناطق التابعة لها على السير في خطها عبر الاستعمال المباشر للقوة. فاللجوء إلى هذه الآليات كان يومئذ منوطة بالخوف من وقوع انتحار نووي، والقوة العسكرية الأميركية كانت متناسبة مع الهيمنة فقط من حيث كان ينظر إليها بوصفها أفضل من غيرها من القوى العسكرية، بمعنى أنه أثناء الحرب الباردة رغبت أوروبا الناتو في تلقي الدعم منها في مواجهة القوة المسلحة للاتحاد السوفيتي."

لم تعتمد الهيمنة الأميركية في النصف الثاني من القرن الماضي على القنابل، بل علي قدر مهول مما كانت تنعم به من الثروة، وما لعبه اقتصادها العملاق من دور مركزي في العالم، ولاسيما في العقود التالية لسنة 1945. فمن الناحية السياسية، اعتمدت على إجماع عام في الشمال الغيني على أن مجتمعاتهم كانت أفضل من تلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت