الصفحة 71 من 139

لقد أخذ النمط النموذجي لما كان ينشب بين الدول من حروب في القرن العشرين ينحسر انحسارا سريعا، فليس ثمة حرب تقليدية تحري بين الدول في هذا الوقت، على الرغم من أن مثل هذه النزاعات لا يمكن إقصاؤها في مناطق شتى في أفريقيا وآسيا، أو في أي دولة مهدد استقرارها أو تماسكها الداخلي. ومن ناحية أخرى، فإن خطر نشوب حرب عالمية كبرى - قد يبعثها عدم رغبة الولايات المتحدة الأميركية في قبول بروز الصين كقوة عظمى منافسة - لم ينحسر، وإن لم يکن وشيكة. ولكن كانت فرص تجنب نشوب مثل هذه الحرب اليوم أفضل مما كانت عليه فرص تجنب الحرب العالمية الثانية سنة 1929، فإن انبعاثها يبقى احتمالا حقيقية خلال العقود القليلة القادمة.

حتى بدون حروب تقليدية بين الدول، كبيرة كانت أم صغيرة، فإن بعض المراقبين الواقعيين يتوقعون اليوم أن يجلب قرننا عالما خالية من الحضور الدائم للعنف والجيوش. وعلى أي حال، دعنا نخاهد الخوف اللاعقلاني الذي تحاول أن تستغله حكومات مثل حكومة الرئيس بوش ورئيس الوزراء بلير لتسويغ سياسة إمبراطورية عالمية. ليس ثمة ما يمكن أن نسميه"حربا على الإرهاب"إلا من وجه محازي، فقط ضد فاعلين سياسيين يستخدمون ما هو تكتيك، وليس برنامجا. وكتكتيك، فالإرهاب لا يفرق بين مذنب وبريء، وهو غير مقبول أخلاقية، سواء استخدمته

مجموعات غير رسمية أم دول. الصليب الأحمر الدولي يعترف بالمد المتزايد للبربرية , لأنه يشجب الفريقين المتناحرين في حرب العراق. كما أن هناك خوفا شديدا من

إمكانية استخدام الأسلحة البيولوجية من قبل مجموعات إرهابية صغيرة، ولكن للأسف، هناك خوفي أقل بكثير من الأخطار الأكبر التي لا يمكن توقعها، والتي فرض لو خرجت القدرة على احتكار عمليات الحياة -بما في ذلك الحياة الإنسانية - عن السيطرة، وهو ما سوف يقع لا محالة. وعلى أي حال، فإن الخطر الحقيقي الذي يتهدد الاستقرار العالمي، أو أي دولة مستقرة، والذي تشكله الشبكات الإرهابية الإسلامية التي أعلنت الولايات المتحدة ضدها حربها العالمية، أو مجموع الحركات الإرهابية العاملة على الساحة الآن، لا قيمة له. فرغم أنهم يقتلون أعدادا من الناس أكبر بكثير من سابقيهم، فإن ما يمثلونه من خطر على الحياة يبقى إحصائيا محدودا جدا، ولو قورنوا ببشاعة الجيوش فإنهم لا يكادون يذكرون. وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت