بثلثين، على أن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه فيما يخص التوقعات الدولية للقرن الحادي والعشرين -وسأعود إليه فيما سيأتي من قول- هو: كيف سيؤثر هذا التحول العالمي على القوة النسبية لاقتصاد الولايات المتحدة؟
دعيني الآن أقترب أكثر من مسألة الحرب والسلم وإمكانية قيام نظام دولي في القرن الجديد. يبدو لأول وهلة أن توقعات السلم العالمي في القرن الحالي أعلى منها في القرن العشرين، نظرا للعدد غير المسبوق لما وقع فيه من حروب عالمية وإزهاق للأرواح على مستوى مهول. ومع ذلك فقد أظهر استطلاع للرأي أجري في بريطانيا العظمى وتمت فيه المقارنة بين إجابات البريطانيين سنة 2004 عن أسئلة طرحت ابتداء سنة 1954، أن الخوف من حرب عالمية جديدة هو اليوم في الواقع أكبر منه حينئذ (3) . والسبب الأكبر لذلك الخوف يعود إلى الحقيقة التي تزداد تأكيدا وهي أننا نعيش حقبة يعاني العالم فيها من نزاع مسلح لا فكاك منه، عادة ما يجري داخل حدود الدولة الواحدة ولكن دائرته تتوسع بفعل التدخل الأجنبي. إن تأثير مثل هذه النزاعات على المدنيين الذين باتوا على نحو مطرد ضحاياها الرئيسيين -وإن كانت صغيرة بالمقاييس العسكرية للقرن العشرين - هائل الحجم طويل البقاء. فمنذ سقوط جدار برلين أصبحنا من جديد نعيش حقبة تطهير عرقي وتجير قسري لأعداد كبيرة من البشر، كما ثبت في أنحاء شتى من أفريقيا وجنوب شرقي أوروبا وآسيا. فقد قدر عدد اللاجئين داخل بلدانهم وخارجها في نهاية سنة 2003 بنحو 38 مليونا، وهو عدد يقترب من الأعداد الهائلة ممن وقع تهجيرهم في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ولنضرب لذلك مثالا واحدا بسيطا: لم يكن عدد من فضوا في ساح الوغى في ميانمار (بورما سابقا) يزيد عن خمسمائة في سنة 2000، لكن عدد من طالهم"التهجير الداخلي"، ولا سيما بسبب أعمال جيش ميانمار، كان نحوا من مليون). والحالة العراقية تؤكد حقيقة أن الحروب الصغيرة، مقاييس القرن العشرين، تخلف نكبات هائلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(3) جريدة ديلي ميل Daily Mail (لندن) ، 22 نوفمبر 2004، ص 19. (4) الدول في صراع مسلح عام 2000 2000