الصفحة 67 من 139

كل هذا كان يجري في حقبة من العولمة المتسارعة تسارعا مذهلا، مما يؤدي إلى بروز تباين إقليمي في جميع أنحاء المعمورة، ذلك أن العولمة بمحض طبيعتها تنتج نموا لاتوازن فيه ولا تساوق. إنما كذلك برز على نحو واضح التناقض بين ما يخضع للعولمة وضغوط التعيير العالمي (global standardisation) لجوانب من الحياة المعاصرة، كالعلوم والتقنية والاقتصاد وعدد من البنى التحتية التقنية، والمؤسسات الثقافية، وإن كانت بدرجة أقل، وبين ما لا يخضع للعولمة، ولا سيما الدولة والسياسة. فالعولمة على سبيل المثال، تؤدي منطقيا إلى تدفق متزايد لهجرة العمالة م ن المناطق الفقيرة إلى المناطق الغنية، ولكن هذا ينتج توترا سياسيا واجتماعية في ك ثير من الدول المستقبلة، والتي غالبا ما تكون من الدول الغنية الواقعة في منطقة شمال الأطلسي القديمة، على الرغم من أن هذه الحركة متواضعة بالمقاييس العالمية، ذلك أنه حتى اليوم لا يعيش إلا 3% من سكان العالم خارج البلدان التي ولدوا فيها، وبخلاف حركة رؤوس الأموال والسلع والاتصالات البالغة الانسياب، فإن الدول والسياسة تمكنت حتى الآن من وضع عقبات حقيقية في طريق هجرة العمالة

على أن أخطر ما نجم عن العولمة الاقتصادية من اختلال جديد في التوازن، باستثناء ما وقع في الاقتصادات السوفيتية والأوروبية الشرقية القديمة في التسعينيات

م ن تفكيك سريع للتصنيع، هو التحول المتزايد لمركز الجذب للاقتصاد العالمي من المنطقة المحيطة بشمال الأطلسي إلى مناطق في آسيا. ولكن كان هذا التحول لا يزال في مراحله المبكرة، فإنه يمضي بخطى متسارعة. ولا ريب أن ما شهده الاقتصاد العالمي من نمو خلال السنوات العشر الماضية تم سحب قدر كبير منه من قبل المحركات الآسيوية، ولاسيما عبر نسبة النمو غير العادية التي حققها الإنتاج الصناعي في الصين، والتي شهدت ارتفاعا بنسبة 30% سنة 2003 مقارنة بنسبة 3% للعالم وأقل من 0. 5 % في أميركا الشمالية وألمانيا. ومن الواضح أن هذا لم يغير بعد الوزن النسبي لأسبا وشمال الأطلسي القديم، فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان فيما بينها ما زالت تشكل 70% من إجمالي الإنتاج المحلي ولكن مجرد حجم آسيا قد بدأ ملموسا يشعر بنفسه. أما من ناحية القدرة الشرائية فإن جنوب شرق آسيا وجنوبها وشرقها تمثل أصلا سوق أكبر من الولايات المتحدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت