المستقرة کبريطانيا وإسبانيا والهند تعلمت العيش لمدد طويلة، في وقت من الأوقات، مع حركات معارضة مسلحة ذات بأس شديد، إن لم تكن تمثل تهديدا حقيقيا للدولة. لقد رأينا - لأسباب عديدة - ما حل بدول كبرى كانت أعضاء في الأمم المتحدة من تفكك سريع، أغلبها وليس جميعها مما نجم عن تفكك إمبراطوريات القرن العشرين، وهي دول ليس فيها إلا حكومات بالاسم فقط، عاجزة عن إدارة كثير من أراضي دولها وسكانها، أو حتى مؤسساتها نفسها، أو ممارسة سيطرة فعلية عليها.
وقريب من هذا إثارة للدهشة ما شهده قبول شرعية الدول من تراجع وتر، وما يبديه السكان من قبول طوعي بالالتزام تجاه السلطات الحاكمة وما تفرضه عليهم من قوانين، سواء بوصفهم مواطنين أم بوصفهم رعايا. فبدون استعداد الجماهير العريضة لقبول أي قوة مستقرة فعلية للدولة على أنها شرعية، المعظم الوقت، ولو كانت حفنة نسبية من الأجانب، لما كان بمقدور حقبة إمبريالية في القرنين التاسع عشر والعشرين أن توجد. فالقوى الأجنبية كانت تخسر فقط في تلك البقاع التي لم يكن يوجد فيها مثل هذا الاستعداد، كما في أفغانستان و کردستان. لكن زمن خنوع الناس في وجه القوة قد ولى، ولو
كانت ذات تفوق عسكري كاسح، كما يبدو جليا في حالة العراق، كما ولى معه زمن عودة الإمبراطوريات. أضف إلى ذلك أن استكانة المواطنين آخذة هي أيضا في الزوال بنفس السرعة. إنني أشك شكا قويا فيما إذا كانت أي دولة اليوم تقدر على خوض حروب کبري بنجيوش نظامية مستعدة للقتال والموت"في سبيل وطنها"حتى النهاية المريرة. إن قلة من الدول الغربية تستطيع الاعتماد - كما استطاع يوما معظم ما يسمى"الدول النامية"- على السكان الحريصين على النظام والملتزمين بالقانون، باستثناء المتوقع من الجماعات الإجرامية أو غيرها على هامش النظام الاجتماعي. إن التطور الرهيب في وسائل إبقاء المواطنين تحت الرقابة على الدوام، تقنية أم غير ذلك، ككاميرات الدوائر التلفزيونية المغلقة
، وتسجيل المكالمات الهاتفية، والوصول إلى المعلومات الشخصية والحواسيب الخاصة، لم يزد بالضرورة من فاعلية الدولة والقانون، وإن كان قد حد من حرية المواطنين وضيق عليهم.