الصفحة 63 من 139

تتمتع به من قدرة متزايدة على التحري وجمع المعلومات. كما اتسع نطاق نشاطها وتأثيرها على الحياة اليومية لمواطنيها، وازداد نجاحها في حشد الجموع من سكانها وتحريكهم بدعوى ولائهم للدولة والأمة. وقد وصلت هذه المرحلة من تطور الدولة إلى ذروتها من نحو أربعين سنة.

ولتنظر من ناحية إلى دولة الرفاه"التي عرفتها أوروبا في السبعينيات، والتي بلغ فيها"الاستهلاك العام"-أعني ما يصرف من إجمالي الإنتاج القومي للأغراض العامة وليس للاستخدام الخاص أو بهدف الاستثمار - ما بين 20 إلى 30% تقريبا. أضف إلى ذلك ما بات لدى المواطنين من استعداد لتقبل فرض الضرائب عليهم من قبل السلطات العامة، من أجل تحصيل مثل هذه المبالغ الهائلة. وليس ذلك فحسب، بل أيضا استعدادهم للقتال والموت بالملايين"في سبيل وطنهم"خلال ما شهده القرن الماضي من حروب کبري، عبر انضمامهم إلى صفوف الجيش. وقد ظل هذا الصعود في وضع الدولة الحديثة مستمرة لما يزيد عن قرنين من الزمان حتى السبعينيات، يمضي بصرف النظر عن الأيديولوجية والنظام السياسي، تحرريا كان أم ديمو - اجتماعيا أم شيوعيا أم فاشية."

لكن هذا لم يعد هو الحال، فقد بات هذا الاتجاه يشهد تراجعا ملموسا، لأن العالم غدا اليوم يشهد اقتصادا عالميا سريع التعو لم يعتمد على شركات عابرة للحدود تحتهد وسعها في سبيل العيش بعيدا عن طائلة قانون الدولة وما تفرضه من ضرائب، مما يحث على نحو كبير من قدرة الحكومات -حتى الكبيرة منها على السيطرة على اقتصادها القومي، بل إن الدول باتت نظرا لما أمسى مسيطرا من مبدأ السوق الحرة - تتخلى عن كثير مما كانت تمارسه من أنشطة تقليدية مباشرة،

كالخدمات البريدية والشرطة والسجون وحتى أجزاء حيوية من قواتنا المسلحة، الصالح متعاقدين من شركات ربحية خاصة. وآية ذلك أن عدد من يعملون الآن في العراق من هؤلاء"المتعاقدين المسلحين"يقدر بثلاثين ألفا أو يزيدون (2) . ونظرا لهذا التطور وما غمر العالم من سيل من الأسلحة الصغيرة الفعالة خلال الحرب الباردة، فإن القوة المسلحة لم تعد محتكرة من قبل الدول ووكلائها، فحتى الدول القوية

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(2) العراق، الجيوش الأميركية الخاصة""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت