أما اليوم فيكاد يكون دون النصف (48%) (1) . إن الريف في البلدان المتقدمة وأنحاء كثيرة من العالم - حتى في المناطق ذات الإنتاج الزراعي- هو صحراء خضراء لا يكاد يرى فيها الإنسان خارج سيارته أو بيته الصغير. لكن التقدير الاستقرائي هنا يغدو أكثر صعوبة. صحيح أن الدول المتقدمة القديمة متمدنة تمدن كبيرة، لكنها لم تعد نموذجا للتمدن المعاصر، الذي يأخذ شكل الحرص على الفرار من الريف إلى ما دعوته من قبل المدن العملاقة. فالذي يحصل للمدن في العالم المتقدم، حتى تلك التي تنمو اسما لا حقيقة، هو تمدين المناطق المحيطة بمركزها أو مراكزها الأصلية. ولا يوجد اليوم في أوروبا وأميركا الشمالية إلا عشرة من أكبر حمسين مدينة في العالم، واثنتان من مدن العالم الثمانية عشرة التي يبلغ تعداد سكانها عشرة ملايين أو يزيد. ولو استثنينا مدينة بورتو في البرتغال، فإن المدن المليونية الأسرع نموا توجد في آسيا
عشرون)، وأفريقيا (ست) ، وأميركا اللاتينية (خمس) . وهذه العملية مهما كانت نتائجها الأخرى تحدث تغييرا كبيرا في التوازن السياسي بين جماعات سكانية مدنية شديدة الكثافة وريفية ممتدة جغرافيا، خصوصا في بلدان تمثلها جماعات أو رؤساء منتخبون.
سوف أتحدث قليلا عن التحول التعليمي، نظرا لأن التأثير الاجتماعي والثقافي للتعليم العام لا يمكن فصله بسهولة عن التأثير الاجتماعي والثقافي للثورة المفاجئة التي لا مثيل لها قط في إعلام الاتصالات العام و الشخصي الذي انخرطنا فيه جميعا. دعيني أشير إلى حقيقة مهمة ذات صلة بموضوعنا. يوجد اليوم
ع شرون بلدا فيها أكثر من 55% من المجموعات ذات الأعمار المعنية تواصل تعليمها بعد المرحلة الإعدادية، لكن جميع هذه البلدان -مع استثناء وحيد هو
ك وريا الجنوبية - واقعة في أوروبا الدول الرأسمالية القديمة وما بعد الشيوعية) وأميركا الشمالية وأستراليا. إن العالم المتقدم القديم ما يزال قادرا على توليد ثروة بشرية تتميز بمزية كبرى على الدول الجديدة الوافدة في القرن الحادي والعشرين، لكن السؤال المطروح هو: متي يمكن لآسيا، وخصوصا الهند والصين، اللحاق بالركب؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
، لبرل پاريوش: الحياة في المكسيك .. البلاد والاقتصادات في التاريخ، باريس، 1985) ص 634.