إن تناقص أعداد العاملين في الزراعة واضح في العالم المتقدم، فقد أصبحت الأرقام اليوم تشير إلى 4% من السكان في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، و 2% في الولايات المتحدة، كما أن ذلك مؤكد في أنحاء أخرى من العالم. وفي أوساط الستينيات، كان لا يزال هناك خمس دول في أوروبا يعمل أكثر من نصف سكانها في هذا الحقل، و 11 دولة في الأميركيتين، و 18 في آسيا، وجميع دول أفريقيا باستثناء ليبيا وتونس وجنوب أفريقيا. أما اليوم، فالوضع مختلف كليا، فلأغراض عملية لا يوجد الآن بلد في أوروبا أو الأميركيتين يعمل أكثر من نصف سكانه في الزراعة، ومثل ذلك صحيح في العالم الإسلامي. حيني باكستان المنخفض معدل العاملين فيها في حقل الزراعة تحت مؤشر ال 50%، بينما انتقلت تركيا من عدد فلاحي يمثل ثلاثة أرباع السكان إلى الثلث. حتى المعقل الأكبر للزراعة الفلاحية في جنوب شرقي آسيا تم کسره في عدة أماكن: فقد انخفض معدل المزارعين في إندونيسيا من 67 إلى 44%، وفي الفلبين من 53 إلى 37%، وفي تايلند من 82 إلى 46%، وفي ماليزيا من 51 إلى 18%. ووصولا إلى سنة 2006 فإننا نجد أنه حتى الصين التي كان 85% من سكانها مزارعين سنة
1950، قد انخفض المعدل فيها إلى 50% أو نحوها. وإذا ما استثنينا معظم أفريقيا ماتحت الصحراء، فإن الدول الوحيدة التي ظلت في الواقع محافظة على المجتمعات الزراعية - قل أكثر من 60% من عدد السكان سنة 2000 - هي في الإمبراطوريات الإنجليزية والفرنسية السابقة بجنوب آسيا، الهند وبنغلاديش و ميانمار والبلاد الهندو صينية.
لكن إلى متى س يبقى هذا الوضع قائما في ظل ما يشهده التصنيع من تسارع؟ ففي أواخر الستينيات، شكل المجتمع الزراعي نصف السكان في تايوان وكوريا الجنوبية، أما اليوم فقد انخفض ذلك الرقم إلى 8% في تايوان و 10% في كوريا الجنوبية. وخلال عقود قليلة لن تعود كما كانت الإنسانية منذ خلقت، مخلوقات يتسم أفرادها على نحو كبير بالاجتماع والصيد وإنتاج الغذاء
كما أننا لن نعود أيضا مخلوقات ريفية أساسا؛ ففي سنة 1900 كان 16% من س كان العالم يعيشون في المدن، وفي سنة 1950 ارتفع ذلك الرقم إلى ما يناهز 26%،