تضاعف، وفي ظل هذه الظروف، فليس من المثير للدهشة ما وقع من زيادة في الحروب والتدخلات المسلحة العابرة للحدود منذ نهاية الحرب الباردة.
ما الآليات المتوفرة لضبط مثل هذه النزاعات وتسويتها؟ إن ما تقدمه الوثائق لا يبشر بخير، ذلك أن أيا من النزاعات المسلحة التي وقعت في التسعينيات لم ينته بتسوية مستقرة، لأن بقاء مؤسسات الحرب الباردة وفرضياتها و خطاها أبقى التخوفات القديمة حية، مما أدى إلى تفاقم ما وقع في جنوب شرقي أوروبا من تفكك بعد شيوعي، وزاد من صعوبة تسوية أوضاع المنطقة التي عرفت يوما باسم يوغسلافيا.
وإذا أردنا تطوير وسيلة لضبط النزاعات المسلحة فإن علينا التخلص من فرضيات الحرب الباردة هذه، أيديولوجية كانت أم سياسية. لقد بات من المؤكد أن الولايات المتحدة أخفقت -وسوف تخفق لا ريب في فرض نظام عالمي جديد من أي نوع كان عن طريق قوة أحادية، مهما بلغت قوة علاقاتها في الوقت الحاضر
، وحتى لو أعائها على ذلك قوم آخرون (في حلف قصير العمر لا محالة) . ذلك أن النظام الدولي سوف يبقى جماعيا، وسوف يعتمد نظامه على قدرة بضع دول كبرى على الاتفاق فيما بينها، ولو لم تكن أي من هذه الدول تتمتع بغلبة عسكرية. فقد بات واضحا مبلغ اعتماد ما تقوم به الولايات المتحدة من أعمال عسكرية دولية على موافقة الدول الأخرى، وإن كانت موافقة يتم التفاوض عليها، كما أنه بات من الواضح أن التسوية السياسية للحروب، حتى تلك التي تشارك فيها الولايات المتحدة، سوف تتم عن طريق المفاوضات، ولن تفرض فرضا أحادي الجانب، إذ إن حقبة الحروب المنتهية بتسليم غير مشروط ولت إلى غير ما رجعة في المستقبل المنظور
إن دور الهيئات الدولية القائمة، ولاسيما الأمم المتحدة، يجب أيضا أن يعاد النظر فيه، فرغم أن هذه الهيئات حاضرة في كل حين، وأنه عادة ما يتم استدعاؤها، فإنه لا دور محدد لها في فض النزاعات، وإستراتيجيتها وعملياتها على الدوام تحت رحمة السياسات القوية المتغيرة. وعليه فإن غياب وسيط دولي يتسم فعلا بالحياد والقدرة على التصرف دون إذن مسبق من مجلس الأمن، هو أكبر خلل في نظام إدارة النزاعات.