الصفحة 45 من 139

ونظرا لأن الدول هي فقط من يستخدم القوة، فإن المؤسسات الدولية معرضة لأن تصبح عديمة التأثير أو تفقد شرعيتها العالمية عندما تحاول التعاطي مع مخالفات کجرائم الحرب مثلا. حتى عندما تقام المحاكم العالمية باتفاقية عامة (مثلا المحكمة الجنائية الدولية التي أنشأها ميثاق روما في 17 يوليو 1998) فلن تكون أحكامها مقبولة بالضرورة بوصفها شرعية وملزمة، إذا أهملتها الدول القوية. إن حلفا من الدول القوية يمكن أن يكون من القوة بحيث يضمن مثول بعض المخالفين من الدول الأضعف أمام هذه المحاكم، ربما للحد من بشاعة النزاعات المسلحة في مناطق معينة. وعلى كل، فهذا نموذج للاستخدام التقليدي للقوة والتأثير ضمن نظام دولي، وليس نموذجا لاستخدام القانون الدولي (5)

وعلى أي حال، فثمة فرق كبير بين القرنين العشرين والحادي والعشرين، فقد اختفت فكرة أن الحروب إنما تقوم في عالم مقسم إلى مناطق إقليمية تحت سلطة حكومات فاعلة تحتكر أدوات القوة العامة ووسائل الإكراه، فلم تنطبق يوما على البلاد التي تتعرض لثورات، أو للدويلات الناجمة عن تفكك الإمبراطوريات. لكن حتى عهد قريب، نجد أن معظم الأنظمة الثورية أو أنظمة ما بعد الاستعمار - الصين ما بين سنتي 1911 و 1949 هي الاستثناء الأكبر - ظهرت بسرعة إلى حد ما كأنظمة ودول خليفة تتفاوت في التنظيم والفاعلية.

على مر السنوات الثلاثين الماضية، أو ما يقاربها، فقدت الدولة الإقليمية الأسباب شتى، احتكارها التقليدي للقوة المسلحة وكثيرا ما كانت تنعم به سابقا

م ن باس و استقرار، كما فقدت على نحو متزايد المعنى الأساسي للشرعية، أو على الأقل، للأداء المقبول الذي يخول الحكومات بفرض أعباء كالضرائب والتجنيد الإجباري على المواطنين الراغبين. فالآلة الحربية متاحة الآن على نحو واسع

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(4) أفضل دليل لذلك هو جرائم الحرب لروي غوتمان وديفد ريف (طبعات) : ما الذي ينبغي أن يعرفه الجمهور؟ Crimies of War

(5) وتتطبق هذه الحالة أيضا عندما تقبل بعض الدول، منفردة، القانون الدولي الإنساني، وتؤكد من

جانب أحادي حقها في تطبيقه على مواطنين من دول أخرى في محاكمها الوطنية، كما وقع في المحاكم الإسبانية، مدعومة من مجلس اللوردات البريطاني، في قضية الجنرال بينوشيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت