الصفحة 43 من 139

الجمهوري الإيرلندي لمدة ثلاثين سنة أو ما يقاربها لم تقتصر على الشرطة المحلية فحسب، بل كانت كذلك جيشا وطنيا، ندرك أن المسألة إنما كانت حربة، وإن خيضت على طريقة عمليات الشرطة، على نحو يقلل عدد الضحايا ولا يؤدي إلى إفساد حياة المقاطعة، وقد توصل الطرفان في نهاية المطاف إلى حل عبر المفاوضات، ولكنه حل لم يأت إلى الآن بسلام، وإنما قصاراه أنه أدى إلى غياب مطول لمظاهر القتال. هذه هي تعقيدات الحرب والسلام في مطلع القرن الجديد وما يلفهما من البس واختلاط. وخير ما يمثلها ما تشارك فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها في الوقت الراهن من عمليات عسكرية وغيرها.

تشهد هذه الآونة - كما شهد القرن العشرون كله - غياب تام لأي سلطة عالمية بوسعها السيطرة على الخلافات المسلحة أو إيجاد حلول لها ناجعة. فالعولمة تقدمت في كل شيء تقريبا، اقتصاديا، وتقنيا، وثقافيا، وحتى لغوية، ما عدا شيئا واحدا بقيت الدول الإقليمية هي السلطات الوحيدة المتنفذة فيه، وهو المسألة السياسية والعسكرية. ولكن كان تعداد الدول رسميا حوالي مائتي دولة، فإن ما له منها اعتبار من الناحية العملية قلة قليلة، تأتي الولايات المتحدة على رأسها من

حيث القوة. ومع ذلك، فإنه ما من دولة أو إمبراطورية بلغت من حيث سعة الرقعة أو الغني أو القوة حدا يجعلها تسيطر سيطرة تامة على العالم السياسي، بله وصولها إلى تفوق سياسي و عسکري على العالم، ذلك أن العالم كبير جدا ومعقد وجمعي. وعليه فليس ثمة احتمال أن تتمكن الولايات المتحدة، ولا أي قوة الدولة مفردة محتملة، من بسط سيطرة ممتدة على الزمان، حتى لو هي أرادت ذلك.

فالقوة العظمى المفردة لا يمكن أن تعوض عن غياب السلطات العالمية، ولاسيما مع الافتقار إلى معاهدات متعلقة بنزع السلاح الدولي مثلا، أو الحد من الأسلحة، تكون من القوة بحيث تقبل قبولا طوعيا من قبل الدول الكبرى على أنها ملزمة. ومع أن بعض هذه السلطات موجودة فعلا، ولاسيما الأمم المتحدة، وبعض الهيئات التقنية والمالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وبعض المحاكم الدولية، فإنه لا يحظى أي منها بأي سلطة فعلية سوى ما تمنحه إياه الاتفاقيات الموقعة بين الدول، أو بفضل مساندة الدول القوية، أو ما تقبله الدول طوعا. ولا يبدو أن هذا الوضع المؤسف سيتغير في الأفق المنظور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت