الصفحة 41 من 139

وجلبت للحروب عنصرا صليبيا كالذي عرف في النزاعات الدينية في العصور الغابرة. هذه النزاعات - خلافا للحروب التقليدية لنظام القوة العالمي- كانت على نحو متزايد توجه إلى نهايات غير قابلة للنقاش مثل"استسلام غير مشروط". ولما كانت الحروب والانتصارات معا ينظر إليها بالجملة، فقد تم رفض أي سقف تفرضه المعاهدات المقبولة للقرنين الثامن والتاسع عشر، بما في ذلك الإعلانات الرسمية للحرب. وكذلك كان الأمر في كل ما من شأنه وضع قيود على إمضاء القوة المنتصرة إرادتها. وقد بينت التجارب أن الاتفاقيات التي تم التوصل إليها في معاهدات السلام يمكن نقضها بسهولة.

وقد ازداد الوضع تعقيدا في السنوات الأخيرة بما أصبح شائعة من جنوح الخطاب العام إلى إطلاق مصطلح"الحرب"على ما تقوم به القوات الرسمية من عمليات ض د مختلف المجموعات الإجرامية، دولية كانت أم قومية، نحو قولهم:"الحرب ضد المافيا"أو"الحرب ضد تجارة المخدرات". فالقتال للسيطرة على مثل هذه المنظمات أو الشبكات، بما فيها المجموعات الإرهابية الصغيرة، أو حتى للتخلص منها، ليس مختلفا عن العمليات الكبرى للحروب فحسب، ولكنه يخلط بين أعمال صنفين من القوى المسلحة: أحدهما، ولنسمه"الجنود"، موجه لقتال قوات مسلحة أخرى بهدف إلحاق الهزيمة بها. والآخر، ولنسمه"الشرطة"، وظيفته الحفاظ على القدر المطلوب من القانون والنظام العام ضمن کيان سياسي قائم، عادة ما يكون دولة. فالنصر الذي ليس له بالضرورة الازمة أخلاقية، هو

ه دف القوة الأولى، بينما يكمن هدف القوة الأخرى في تقديم مخالفي القانون إلى العدالة، وهو أمر له لازمة أخلاقية.

لكن هذا التمييز أسهل في النظرية منه في التطبيق، فالقتل العمد إذا ارتكبه جندي في معركة لا يكون في حد ذاته كسرة للقانون، خلافا للقتل العمد في جميع الدول الإقليمية القائمة. ولكن ماذا لو أن أحد أفراد الجيش الجمهوري الإيرلندي عد نفسه محاربا، رغم أن القانون الرسمي للمملكة المتحدة يعده قاتلا؟ وهل كانت العمليات في إيرلندا الشمالية حريا، كما يراها الجيش الجمهوري الإيرلندي، أم كانت محاولة في وجه مخالفي القانون حفاظا على الحكومة النظامية في إحدى مقاطعات المملكة المتحدة؟ إننا بالنظر إلى كون القوة التي ووجه بها الجيش

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت