الدعاوى العرقية أو العنصرية بالتفوق. لكن الدعوى الغربية الضمنية -وليس المعلنة - بالتفوق الأخلاقي لا تزال موجودة، ويعبر عنها عادة بالاعتقاد بأن قيمنا ومؤسساتنا متفوقة على قيم الآخرين ومؤسساتهم، ويمكن، أو حتى ينبغي أن يتم فرضها عليهم من أجل مصلحتهم، وبقوة الجيوش لو تطلب الأمر.
أما دعوى أن الإمبراطوريات والاستعمار جلبت الحضارة للشعوب المتخلفة وأبدلتها بالممالك نظاما فهي دعوى مدخولة ومشكوك في صحتها، وإن لم تكن زائفة بالكلية. فمن القرن الثالث حتى القرن السابع عشر في زماننا، كانت أغلب الإمبراطوريات نتاجا للغزو العسكري من قبل قبائل محاربة من الأطراف الخارجية للحضارات الآسيوية والبحر متوسطية لم يسبق لها أن أتت إلى البلاد التي غزتها، والتي غالبا ما كانت أكثر منها رقيا، بأكثر من بأس شيوفها، أو هي إذا أرادت البقاء طويلا، فبرغبة في استخدام البنى التحتية والخبرات الموجودة لدى من هز متهم هي وقهر ثهم. العرب وحدهم، الذين حملوا معهم لغتهم المكتوبة ودينهم الجديد، هم الذين جاؤوا بشيء جديد. أما الأوروبيون الذين استعمروا الأميركيتين وأفريقيا والهادي فقد كانوا في الواقع متفوقين تقنيا على المجتمعات المحلية، رغم أنه حتى القرن التاسع عشر لم يكونوا متفوقين على المجتمعات الإسلامية منها والآسيوية. على أن المناطق المستعمرة ضمت في نهاية المطاف إلى اقتصاد عالمي غربي المركز. لكن يمكن أن نتساءل: كم كانت إيجابية الفترة الاستعمارية لسكان الأميركيتين، وليس لذراري المهاجرين الأوروبيين الذين استقروا هناك، أو لو أخذنا حالة أقرب عهدا - فلسكان أفريقيا ما تحت الصحراء؟
إن ذاكرة الإمبراطورية بين رعاياها السابقين أكثر غموضا، فأكثر المستعمرات أو غيرها من البلاد التابعة للإمبراطوريات السابقة تحولت إلى دول مستقلة، وهي
كغيرها من الدول - مهما كانت جديدة ولا جذور لها- تحتاج إلى تاريخ، حاجتها إلى علم وطني. لذلك يطغى تاريخ إنشاء الدولة الجديدة، على الدوام تقريبا، على ذاكرتهم للإمبراطورية السابقة التي تجنح إلى أخذ صورة أسطورة مخاض يبرز فيها عنصرا الصراع والتحرر. وليس من غير الطبيعي أن تنحو نحو أخذ تصور سلبي جماعي لفترة الحكم الاستعماري، وهذا يدعو في أكثر الحالات إلى الشك التاريخي. فمثل هذه الحكايات تميل إلى قويل الدور المستقل لقوات التحرير، وإلى التهوين من