الصفحة 107 من 139

ثاني هذه الاختلافات الجوهرية، أن الولايات المتحدة وليدة ثورة (انقلاب) ربما كما قالت حنا أرندت، وليدة أكثر الانقلابات بقاء في تاريخ الانقلابات في العصر الحديث، التي تؤججها آمال علمانية لفلسفة التنوير في القرن الثامن عشر (18) . ولو كان لها أن تحرز مهمة استعمارية (imperial mission) ، فستكون مرتكزة على البعد المسيحي الذي يتضمنه إيمانها الأساسي بأن مجتمعها الحر كان متفوقا على جميع من سواه، وأن قدره أن يكون النموذج العالمي، وسياستها، كما رآها دو تو کوفيل، ستكون حتما جمهورية مناهضة للنخبوية. لقد شهدت إنجلترا واسكتلندا انقلاباتهما في القرنين السادس عشر والسابع عشر، لكن تلك الانقلابات لم تستمر، وتأثيرها أعيد امتصاصه في نظام رأسمالي تحديثي لكنه طبقي كم حتى فترة متقدمة من القرن العشرين بشبكات أقرباء من الطبقة الحاكمة من ملاك الأراضي. وكان من الميسور إدماج إمبراطورية استعمارية في هذا الإطار، كما كانت في إيرلندا. لقد كان لدى بريطانيا إيمان راسخ بتفوقها على غيرها من المجتمعات، لكن لم يكن لها قط إيمان مسيحي أو رغبة في تحويل غيرها من الشعوب إلى طرق الحكم البريطانية، ولا حتى إلى أقرب شيء لتقليد قومي أيديولوجي، هو تحديدا البروتستانتية المناهضة للكاثوليكية. فلم بن الإمبراطورية البريطانية بواسطة التبشير بين ولا من أجلهم، كلا بل في ولايتها الأساسية، الهند، ثبطت الإمبراطورية نشاطات التبشيريين تثبيطا.

ثالثا، منذ كتاب الدومسدي (Domeseday Book) كانت مملكة إنجلترا، التي سميت بعد سنة 1707 بريطانيا، مبنية حول مركز قوي من القانون والحكومة التي كانت تسير أقدم دولة قومية في أوروبا. فالحرية والقانون والطبقية الاجتماعية خطت يدا بيد مع سلطة دولة فريدة الاستقلال،"الملك في مجلس الشعب". ولا يغيبن عنك أنه في سنة 1707 دخلت إنجلترا في اتحاد مع اسكتلندا تحت حكومة واحدة مركزية، لم تكن على شكل فدرالية، رغم أن اسكتلندا ظلت منفصلة عن إنجلترا في جميع أمورها الأخرى، كالقانون ودين الدولة والتركيبة الإدارية والتعليم وحتى طريقة نطق لغتها. أما في الولايات المتحدة، فالحرية خصيم الحكومة المركزية - ہل خصيم أي س لطة دولة - التي هي على كل حال مشلولة بسبب انفصال

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(18) حول الثورة On Revolution، لحنا أرندت (نيويورك ولندن 1963) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت