محاسنة فقل: إنّها النفاق، أو سكوتًا عن الظلم فتلك رشوة يأكلون بها! نحن يا ولدي مع هؤلاء كالمعنى الذي يصحّح معنى آخر، فإذا أمرناهم، فالذي يأمرهم فينا هو الشرع لا الإنسان، وهم قوم يرون لأنفسهم الحق في إسكات الكلمة الصحيحة أو طمسها أو تحريفها؛ فما بدّ أن يُقابَلوا من العلماء والصالحين بمن يرون لأنفسهم الحقّ في إنطاق هذه الكلمة وبيانها وتوضيحها؛ فإذا كان ذلك فههنا المعنى بإزاء المعنى؛ فلا خوف ولا مبالاة، ولا شأن للحياة والموت. وإنما الشرّ كلّ الشرّ أن يتقدّم إليهم العالم لحظوظ نفسه ومنافعها، فيكون باطلًا مزوّرًا في صورة الحقّ؛ وههنا تكون الذات مع الذات، فيخشع الضعف أمام القوّة، ويذلّ الفقر بين يدي الغنى، وترجو الحياة لنفسها، وتخشى على نفسها؛ فإذا العالم من السلطان كالخشبة البالية النخرة تحاول أن تقارع السيف! إنّ السلطان والحكّام أدوات يجب تعيين عملها قبل إقامتها، فإذا تفكّكت واحتاجت إلى مسامير دقّت فيها المسامير؛ وإذا انفتق الثوب فمن أين للإبرة أن تسلك بالخيط الذي فيها إذا هي لم تخُزّه؟ .. إنّ العالم الحقّ كالمسمار؛ له عمله ومهمّه، فإذا أوجد المسمار لذاته دون عمله كفرت به كلّ خشبة).
(قال الإمام الرازيّ(رحمه الله) : (قوله تعالى: {إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ} (فاطر: 28) فإنّ الله تعالى وصف العلماء في كتابه بخمس مناقب، أحدها: الإيمان: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} (آل عمران: 7) وثانيها: التوحيد والشهادة: {شَهِدَ اللَّهُ أنه لَا إله إلَّا هُو وَأُولُوا الْعِلْمِ} (آل عمران: 18) وثالثها: البكاء: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ} (الإسراء: 109) . ورابعها: الخشوع: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} (الإسراء: 107) الآية. وخامسها: الخشية: {إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ} ) [1] .
(قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد(رحمه الله) : (والعلم دليل على الخيرات وقائد إليها، وأقرب العلماء إلى الله أولاهم به، وأكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة) [2] .
(من أقوال الإمام المقدسي(رحمه الله) :
1. (إن نَفْعَ العلم يعم كل شيءٍ حتى الحوت، فإن العلماء عرفوا بالعلم ما يحل وما يحرم، وأوصوا بالإحسان إلى كل شيءٍ حتى إلى المذبوح، والحوت، فألهم الله تعالى الكلَّ الاستغفار لهم لحسن صنيعهم) [3] .
2. (ومن صفات علماء الآخرة: أن يكونوا منقبضين عن السلاطين، محترزين من مخالطتهم) [4] .
(1) تفسير الرازي 2/ 400.
(2) التحرير والتنوير 22/ 305.
(3) مختصر منهاج القاصدين ص 6.
(4) المصدر نفسه ص 18.