إِلَّا نَفْسَهُ"إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ مِنْهُ عَلَى عَبْدِهِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لَهُ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ مِنْ عِنْدِ ابْنِ آدَمَ مِنَ اتِّبَاعِ هَوَى نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النِّسَاءِ: 79] ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إِلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ إِذَا أَرَادَ تَوْفِيقَ عَبْدٍ وَهِدَايَتَهُ أَعَانَهُ وَوَفَّقَهُ لِطَاعَتِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ فَضْلًا مِنْهُ، وَإِذَا أَرَادَ خِذْلَانَ عَبْدٍ، وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَأَغْوَاهُ الشَّيْطَانُ لِغَفْلَتِهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا، وَكَانَ ذَلِكَ عَدْلًا مِنْهُ، فَإِنَّ الْحُجَّةَ قَائِمَةٌ عَلَى الْعَبْدِ بِإِنْزَالِ الْكِتَابِ، وَإِرْسَالِ الرَّسُولِ، فَمَا بَقِيَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. فَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا:"فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمِنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ"إِنْ كَانَ الْمُرَادُ: مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ مَأْمُورًا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ عَلَى مَا وَجَدَهُ مِنْ جَزَاءِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّذِي عَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النَّحْلِ: 97] ، وَيَكُونُ مَأْمُورًا بِلَوْمِ نَفْسِهِ عَلَى مَا فَعَلَتْ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي وَجَدَ عَاقِبَتَهَا فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السَّجْدَةِ: 21] ، فَالْمُؤْمِنُ إِذَا أَصَابَهُ فِي الدُّنْيَا بَلَاءٌ، رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ بِاللَّوْمِ، وَدَعَاهُ ذَلِكَ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَفِي"الْمُسْنَدِ""وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ"عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ سَقَمٌ، ثُمَّ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ عُمُرِهِ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ وَعُوفِيَ، كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ وَأَطْلَقُوهُ، لَا يَدْرِي لِمَ عَقَلُوهُ وَلَا لِمَ أَطْلَقُوهُ". وَقَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ: إِنَّ الْمُسْلِمَ لَيُبْتَلَى، فَيَكُونُ كَفَارَّةً لِمَا مَضَى وَمُسْتَعْتَبًا فِيمَا بَقِيَ، وَإِنَّ الْكَافِرَ يُبْتَلَى، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْبَعِيرِ أُطْلِقَ، فَلَمْ يَدْرِ لِمَ أُطْلِقَ، وَعُقِلَ فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عُقِلَ؟ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَنْ وَجَدَ خَيْرًا أَوْ غَيْرَهُ فِي الْآخِرَةِ، كَانَ إِخْبَارًا مِنْهُ بِأَنَّ الَّذِينَ يَجِدُونَ الْخَيْرَ فِي الْآخِرَةِ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ مَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ يَلُومُ نَفْسَهُ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ اللَّوْمُ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ لَفْظَهُ لَفْظُ الْأَمْرِ، وَمَعْنَاهُ الْخَبَرَ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ"