-وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ - أَيْ: وَمَا كَانَ إِهْلَاكُهُمْ بِغَيْرِ جُرْمٍ اسْتَحَقُّوا بِهِ الْهَلَاكَ، وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِشِرْكِهِمْ وَفَسَادِهِمْ فِي الْأَرْضِ، وَإِصْرَارِهِمْ حَتَّى لَمْ يَعُدْ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَإِيثَارِ الْخَيْرِ عَلَى الشَّرِّ، بِحَيْثُ لَوْ بَقُوا زَمَنًا آخَرَ لَمَا ازْدَادُوا إِلَّا ظُلْمًا وَفُجُورًا وَفَسَادًا، كَمَا قَالَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: - إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا - 71: 27 وَقَدْ بَالَغَ رُسُلُهُمْ فِي وَعْظِهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ، فَمَا زَادَهُمْ نُصْحُهُمْ لَهُمْ إِلَّا عِنَادًا وَإِصْرَارًا، وَأَنْذَرُوهُمُ الْعَذَابَ فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ اسْتِكْبَارًا، وَاتَّكَلُوا عَلَى دَفْعِ آلِهَتِهِمُ الْعَذَابَ عَنْهُمْ إِنْ هُوَ نَزَلَ بِهِمْ - فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ - أَيْ: فَمَا نَفَعَتْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي كَانُوا يَدْعُونَهَا، وَيَطْلُبُونَ مِنْهَا أَنْ تَدْفَعَ عَنْهُمْ الضُّرَّ بِنَفْسِهَا أَوْ بِشَفَاعَتِهَا عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - لَمَّا جَاءَ عَذَابُ رَبِّكَ تَصْدِيقًا لِنُذُرِ رُسُلِهِ - وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ - أَيْ: هَلَاكٍ وَتَخْسِيرٍ وَتَدْمِيرٍ، وَهُوَ مِنَ التِّبَابِ أَيِ الْخُسْرَانِ وَالْهَلَاكِ: يُقَالُ: تَبَّبَهُ تَتْبِيبًا، أَيْ: أَهْلَكَهُ، وَتَبَّ فُلَانٌ وَتَبَّتْ يَدُهُ، أَيْ خَسِرَ أَوْ هَلَكَ"وَتَبًّا لَهُ"فِي الدُّعَاءِ بِالْهَلَاكِ، وَمَعْنَى زِيَادَتِهِمْ إِيَّاهُمْ تَتْبِيبًا؛ أَنَّهُمْ بِاتِّكَالِهِمْ عَلَيْهِمُ ازْدَادُوا كُفْرًا وَإِصْرَارًا عَلَى ظُلْمِهِمْ وَفَسَادِهِمْ ظَنًّا أَنَّهُمُ يَنْتَقِمُونَ لَهُمْ مِنَ الرُّسُلِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِرَسُولِهِمْ: - إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ - 11: 54.
-وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ - أَيْ: وَمِثْلُ ذَلِكَ الْأَخْذِ بِالْعَذَابِ وَعَلَى نَحْوٍ مِنْهُ أَخْذُ رَبِّكَ لِأَهْلِ الْقُرَى فِي حَالِ تَلَبُّسِهَا بِالظُّلْمِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَكُلِّ قَوْمٍ - إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ - أَيْ وَجِيعٌ قَاسٍ لَا هَوَادَةَ فِيهِ وَلَا مَفَرَّ مِنْهُ وَلَا مَنَاصَ، فَالْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِلتَّشْبِيهِ فِيمَا قَبْلَهَا.
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا:"إِنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ،"