الصفحة 88 من 157

على تصديق نظرية كوبرنيك، فإن قال قائل: لم يكن أمامهما إلا هذا الطريق، فيقال: قد كان المخرج موجودًا في التأليف بين أرصادهما، وبين نصوص التوراة والإنجيل، لكنه عمى القلوب!، كان الحل ماثلًا أمام أعينهما، لكنهما تعاميا عنه عن عمد، ذلك أن أشهر فلكي في عصرهما قد قال بهيئة فلكية وسط بين بطليموس وكوبرنيك، ولا تُعارض صراحة نصوص الكتاب المنزل، قال تيكو براهى بثبات الأرض، ودوران الشمس حولها، لكن الكواكب تدور حول الشمس، وهذا يحل لهما الإشكال المتعلق بهذه الكواكب السيارة الثلاثة، وفي نفس الوقت لا يعرضهما للاتهام بالإحاد، وخطر مواجهة محاكم التفتيش، فلماذا إذن؟!!!.

السؤال المحير هو: لماذا خالف هؤلاء عقيدة بني جلدتهم؟ ونصوص الإنجيل والتوراة التي تدل دلالة واضحة على ثبات الأرض ودوران الشمس حولها؟ ولم يكن تحت أيديهم من البراهين القاطعة أو الأدلة العقلية الناصعة التي يمكن أن تُؤَول لها تلك النصوص؟

هذا من جهة، ومن جهة أخرى: قد وُجِد من علماء دينهم من يقيم عليهم الحجة الرسالية - مما بين أيديهم من نصوص الإنجيل والتوراة - على ثبات الأرض ودوران الشمس حولها، مع أن أيديهم كانت خالية الوفاض من أي دليل مادي محسوس يصدق مقولتهم، ومن الشواهد على ذلك ما كتبه الكاردينال Bellarmine بلارمين إلى الأب باولو أنطونيو فوسكاريني Paolo Antonio Foscarini، محاولًا ثني عزمه عن القول بهذه النظرية، ومبينًا له بأدب وتوقير زائد خطورة هذا القول، ومدى إضراره بإيمانه بنصوص الكتاب المقدس، وما اتفق عليه باباوات الكنيسة الكاثوليكية في تفسير هذه النصوص، بالإضافة إلى معارضة أقوال علماء زمانهم بعلوم الطبيعة، ومعارضة أقوال سليمان - عليه السلام - في نسبة الشروق والغروب والحركة إلى الشمس، مع أن سليمان - عليه السلام - كان ممكَّنًا في الأرض، وكان يوحى إليه من عند الله - سبحانه وتعالى -، وأوتي من العلم ما يمكنه من معرفة الحقيقة على ما هي عليه، فقد كان أعلى مقامًا ومنزلة من جميع هؤلاء التي يتكلمون في العلوم الإنسانية والكونية، ولهذا فليس من المحتمل أنه كان يتكلم بشيء يناقض الحقائق الكونية.

[مأخوذ بتصرف من Cardinal Bellarmine's Letter to Foscarini

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت