فصل
في ذكر أدلة عقلية على ثبات الأرض واستقرارها
فمن تلكم الأدلة:
(1) : أن الأرض لو كانت تسير بهذه السرعة الهائلة (30 كم في الدقيقة) ؛ لما استقر على ظهرها شيء من البناء والشجر فضلًا عن الحيوانات؛ وذلك لشدة مخرها للهواء، ولشدة صدم الهواء لوجهها، وأما زعمهم: أن الغلاف الجوي تابع للأرض في الدوران فهذا زعم كاذب؛ لا دليل صحيح عليه من نقل أو عقل.
أما النقل: فقد جاء في آيات كثيرة ما يدل على أن الهواء مستقل بنفسه، وليس تابعًا للأرض، فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: قوله - سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} [الأنبياء (16) ] : فدلت هذه الآية الكريمة على أن خلق ما بين السماء والأرض كان مستقلًا بنفسه، وأنه مغاير في حقيقته وتكوينه لهما، والله أعلم.
وأما العقل: فمن المعلوم أن جرم وكثافة الجزيئات المكونة للهواء من الأكسجين و الهيدروجين والنيتروجين وثاني أكسيد الكربون وبخار الماء: في غاية الخفة والضآلة؛ بحيث لا تؤثر عليها جاذبية الأرض؛ فتجعلها في حكم الملاصق لها، أو في حكم الأجسام التي على سطحها.
وكذلك: فإنه من المعلوم أن الأجسام التي على سطح الأرض إذا ارتفعت عنه واستقلت في الهواء؛ فإن سلطان الجاذبية عليها يضعف نوعًا ما، لا سيما كلما ازداد الارتفاع، وقلت الكثافة.
وكذلك: فإنه من المعلوم بالحس والضرورة أن الهواء المحصور في المراكب الحديثة، سواءً البرية أو البحرية أو الجوية، يكون متحركًا بسرعتها، بخلاف ما كان خارجها؛ فإنه لا يتبعها ولا يتحرك بسرعتها، بل يقاومها؛ فكذلك ما على ظهر الأرض من الهواء لا يكون تابعًا لها.
(2) : سير السحاب المسخر بين السماء والأرض؛ فنحن نراه يتحرك في كل اتجاه، ولو