الصدق والكذب] لنصوص الإنجيل التي تحتمل عدة معاني من التأويلات الباردة [فكان بذلك مسقطًا لمصداقية الكتب السماوية جملة وتفصيلًا، للدفاع عن أفكاره الإلحادية] ، فإن تعبيرات الإنجيل غير مقيدة بشروط صارمة كتلك التي تحكم الطبيعة، وقال بأنه لا يعني بذلك عدم احترام نصوص الكتاب المقدس، لكن بمجرد التوصل إلى حقيقة علمية طبيعية فيجب استخدامها في شرح نصوص الكتاب المقدس، فيتطابق بذلك كتاب الله المفتوح في الطبيعة مع كتابه المقدس، [فكان بذلك فاتحًا باب التفسير الرمزي الباطني الملحد، منزِّهًا آراءه عن الخطأ، مطوِّعًا للكتاب المقدس ليخدم إلحاده] ، ثم أخذ ينقل عن الفيلسوف أوغسطين ما يؤيد مذهبه، وذكر أنه ليس أول من تكلم في هذه المسألة، وذكر أسماء بعض من ذكرناهم آنفًا، ثم طالب بمنع من يقوم بتفسير الإنجيل بشكل لا يتلاءم مع الحقائق الكونية التي يدعي صحتها، ثم أخذ يخلط بين الحق والباطل، ويغالط في أمور لا غبار عليها، فيقرن بين علم الفلك الذي يتهوك فيه، وبين علوم نافعة للبشر كالطب والهندسة وغيرهما، فيجعلها كلها في كفة واحدة، إلى آخر ما قال.
قلت: ونحن لا ننكر كل ما ينسب إلى فلاسفة اليونان وغيرهم وأتباعهم من الكفرة والملحدين: من العلوم الرياضية والطبيعية والطبية مما هو موافق للحقيقة؛ لكونهم كفارًا، بل نقر بصحة ما ثبت بالتجربة الصحيحة، وثبت بالبرهان القاطع، أو ما غلب على الظن صحته، ولم يخالف أصلًا شرعيًا، وقد أثبت الله - سبحانه وتعالى - لهم العلم بالدنيا وأسباب معاشهم فيها، فقال سبحانه: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم (7) ] ، وامتن عليهم بأن يسر لهم سبل عمارة الأرض بمعرفة سننها وقوانينها، فقال سبحانه: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [هود (61) ] ، إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى [وانظر: المنقذ من الضلال ص (23) وما بعدها، وتقدم نقل كلام شيخ الإسلام في أول هذا البحث في هذا المعنى. وانظر: الفيزياء ووجود الخالق، للأستاذ الدكتور جعفر شيخ إدريس. ص (12) ] .