الصفحة 82 من 157

بدأت بعد ذلك المواجهات بين جاليليو وأعدائه تزداد حدة، حيث انتقلت من مجال الجدل العلمي حول الظواهر الطبيعية إلى الاتهام بالإلحاد ومعارضة نصوص الإنجيل، فبعث حينئذٍ جاليليو برسالة إلى الدوقة الكبيرة في توسكانيا يدافع فيها عن نفسه، مستجديًا عطفها، مثيرًا لغضبها على مخالفيه، واصفًا إياهم بالتعامي عن إدراك الحقائق التي توصل إليها، والسعي في إيذائه وتدميره، ووصفه بالهرطقة لمجرد كون هذه الحقائق التي توصل إليها تنافي الإنجيل، وكأنهم يطالبونه بأن يتخلى عن عقله وأدلته التي أثبتتها التجربة المحسوسة المشاهدة، لصالح بعض نصوصٍ من الإنجيل يمكن أن يكون لها معاني غير ما فهموه منها [هكذا قال الملحد] ، وذكر أن السبب في ذلك أن الكتاب المقدس قد نص في مواضع كثيرة على ثبات الأرض وحركة الشمس، مما دعاهم لأن يصفوا المخالف بالهرطقة، ثم قال بأن منشأ ذلك هو عدم فهمهم لتلك النصوص، وأنها تحتمل من المعاني ما لم يفهموه، لا أنه يُكذِّب الإنجيل، واستدل لذلك القول بأن طريقة الإنجيل في خطاب العوام تتناسب مع عقولهم القاصرة، وإدراكاتهم الضعيفة، وأنه تنزل في مستوى الخطاب إلى عقول البلهاء من الناس، الذين لا يدركون الحقائق على ما هي عليه، وإلا قوبل منهم بالتكذيب والإعراض، وأن مقصود الإنجيل من هذه الأمور الكونية التي تحدث عنها مثل الأرض والمياه والشمس وغير ذلك إنما هو خدمة الله وإنقاذ الأرواح، لا أنه أراد أن يعلِّم الناس حقيقتها وماهيتها، ويقول بأن الإنجيل وظواهر الطبيعة كلاهما من الله تعالى، أحدهما أملاه روح القدس، والأخير كالمنفذ اليقظ بدقة لأوامر الله تعالى، لكن الإنجيل كان لا بد أن يكون خطابه ملائمًا لأفهام جميع البشر، فهو يتكلم أحيانًا عن أشياء تبدو لهم في الظاهر مختلفة عما هي عليه في الحقيقة المطلقة، لذا عبر عنها بما يظهر للناس دون ما هي عليه [وهذا اتهام ظاهر لكتاب الله بالتدليس والتلبيس على الناس، بل بالكذب عليهم؛ بدعوى ندرة الأذكياء فيهم] ، وأما الطبيعة - من الناحية الأخرى - فإنها ثابتة لا تحابي أحدًا، ولا تنتهك القوانين المفروضة عليها، ولا تهتم بكون أسبابها الغامضة وطرق عملها وتسييرها مفهومةً للناس أم لا، وبناء على ذلك فلا يجب إخضاع قوانين الطبيعة [حسب زعمه بأنها قوانين تحكم السماء كما تحكم الأرض، أو أنها حقًا قوانين، لا مجرد فرضيات تحتمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت