الصفحة 75 من 157

فهؤلاء جميعًا لم يقفوا على دليل قطعي واحد اضطرهم إلى القول بهذه النظرية، لكن الحقيقة أن الفكرة اختمرت في عقولهم أولًا، بناءً على أوهام أو تخيلات، ناتجة عن عدم التسليم لما جاءت به الرسل، أو نزلت به الكتب، ثم ذهب من جاء بعدهم ليبحث لها عن دليل مادي.

ولا شك أن الذي حدا بهم للخوض في هذه المتاهات خواء عقدي قاتل، لا سيما وعقائدهم الأصلية من وثنية أو إلحاد أو تثليث لم تكن لتعطيهم تفسيرات كافية شافية عن حقيقة وجودهم على هذه الأرض، ولا عن الغاية التي من أجلها خلق الله البشر، ولا عن طبيعة هذا الكون بكل أجزائه، ومكوناته.

وقد يظن البعض أن النظريات العلمية، أو الحقائق الكونية المكتشفة، إنما هي وليدة التجربة وحدها، وبدافع البحث العلمي النزيه المتجرد وحده، دون أن يكون له دوافع عقدية، تحرك الإنسان وتدفعه نحو البحث عن شيء ما، أو في مجال ما، فإنه من المعلوم أن الإنسان لا يصدر منه قول أو فعل إلا عن قصد ونية، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، ... » ، فما الذي دفع هؤلاء للبحث عن شيء يخالف فطرهم، وما دلت عليه الكتب المنزلة من عند الله تعالى خالق البشر والكون.

إن القول بأن: البحث العلمي النزيه المتخلي عن أي فكرة سابقة، أو عقيدة قائدة، سوف يقود الإنسان نحو الحقيقة؛ إنما هي مسألة ذهنية محضة، لا وجود لها في الخارج، ولا في أرض الواقع، ذاك أن الإنسان بطبيعته أسير أفكاره، و حبيس معتقداته، فهذه المعتقدات هي التي تقوده للبحث في أمر ما، أو لنقض مسألة ما، فهي التي تحرك سواكنه، وتحرر كوامنه.

ولهذا لما كثر أنصار هذه النظرية؛ جاء من يبحث لها عن أدلة مقنعة، تخدمها وترسخها في الأذهان حتى لا يأتي بعد ذلك من يشكك فيها، فكان تَيْكو براهى (1546 - 1601 م) الفلكي الدنماركي، أحد نبلاء الدنمارك، صاحب الأنف الفضي، فقد قُطع أنفه وهو في سن (19) على إثر معركة بالسيف بينه وبين أحد الشباب الدنماركيين، والذي استثاره براهى حينما استهزأ به مستقلًا علمه بالرياضيات، رحل بين إيطاليا وسويسرا وألمانيا والسويد لعدة سنوات، ثم رجع إلى كوبنهاجن، وتحت رعاية ملك الدنمارك فريدريك الثاني والذي منحه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت