الوجود في الغرب النصراني، وديكارت الفرنسي (1596 - 1650 م) صاحب مذهب العقلانية والإنسانية، ومع أنه كان سابقًا على كبلر وجاليليو، ومهد لهما، إلا أنهما لم يشيرا إليه في مؤلفاتهما خوفًا على نفوسهما، فقد كان جاليليو بالذات يتميز بدهاء عجيب استطاع به أن ينجو من مصير برونو، إذ لأجل هذا المصير المروع لبرونو تجنب أتباعه - ممن حمل لواء الهرطقة والإلحاد - البوح بمكنونات أنفسهم، أو التصريح بعقائدهم، ومما يدل على تأثر جاليليو ببرونو مسألة سقوط جسم حر على ظهر سفينة، فقد كان برونو هو السابق بهذه الفكرة، فقد ذكرها برونو في كتابه"الأكوان والعوالم الغير متناهية"والذي نشر عام (1584) أي قبل (30) سنة من قول جاليليو بهذه الفكرة، وأودعها جاليليو في كتابه"حول نظامين كبيرين".
كانت اتهامات برونو للكنيسة في محلها في كثير من الأحيان، بسبب جمودها الفكري، وعدم معقولية معتقداتها المحرفة، إلا أن ذلك لم يقده إلى البحث عن الاعتقاد الصحيح في الخالق والكون.
ولو صح عقله - هو وأمثاله ممن تبعه على هذه الترهات - لبحثوا عن الحقيقة، ولوجدوها في الإسلام، إلا أنهم ثاروا على الدين - كل الدين - جملة وتفصيلًا.
ولو رأوا أن للكون خالقًا واحدًا، متفردًا بالخلق والإيجاد، والرزق والتدبير، وتصريف أمور العباد، والنفع والضر، لبحثوا عن هذا الخالق، ولعلموا أنه لا يمكن أن يترك خلقه سدى، ولا أن يدعهم هملًا، من دون أن يرسل إليهم رسولًا، أو ينزل إليهم كتابًا، يبين لهم فيه ما من أجله خلقهم، ويعلمهم بأسباب سعادتهم، ويحذرهم من أسباب شقاوتهم؛ فلما لم نعلم أنهم بحثوا عن ذلك، مع توفر الكتب والمراجع لديهم، سيما تراث أهل الإسلام، فلماذا اقتصروا منه فقط على التراث المادي اليوناني الجذور؛ دون القرآن والسنة وعلومهما، لكنهم ازدادوا غيًا وضلالًا، وبؤسًا وشقاءً، فلم يعبدوا إلهًا واحدًا، ولم يتبعوا رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين، إذا تبين هذا دل ذلك كله على إلحادهم المطبق، وكفرهم بآيات الله، وبجميع رسله، وكتبه، وما كان منهم من عبارات قد يحسبها البعض توحيدًا وإيمانًا؛ فإنما هي من باب ذر الرماد في العيون، حتى لا يشتد النكير عليهم.