عدمًا فنصدقه في ترَّهاته وتخيلاته التي يكسوها زورًا وبهتانًا بثوب البحث العلمي النزيه، قال الله - سبحانه وتعالى: {مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} [الكهف (51) ] .
فإن أشكل عليك بعد ذلك قوله - سبحانه وتعالى: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا 27} رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا {28} وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا {29} وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا {30} [النازعات] ، ففهمت منه أن الله - سبحانه وتعالى - خلق الأرض بعد خلق السماء وشمسها وقمرها؛ فنقول: ليس الأمر كما فهمت، فإن الله - سبحانه وتعالى - لم يقل: والأرض بعد ذلك خلقها، وإنما قال: {دَحَاهَا} ، ثم فسر الدحي بعد ذلك بقوله - سبحانه وتعالى: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا 31} ، فظهر بذلك مراد الله - سبحانه وتعالى -، فلا تعارض بين الآيات، {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام (45) ] .
قال ابن كثير في البداية والنهاية (1/ 15) بعد سرد الآيات من سورة فصلت:"فهذا يدل على أن الأرض خلقت قبل السماء لأنها كالأساس للبناء"، ثم قال بعد سرد الآيات من سورة النازعات (1/ 16) :"فقد تمسك بعض الناس بهذه الآية على تقدم خلق السماء على خلق الأرض، فخالفوا صريح الآيتين المتقدمتين، ولم يفهموا هذه الآية الكريمة؛ فإن مقتضى هذه الآية: أن دحي الأرض وإخراج الماء والمرعى منها بالفعل بعد خلق السماء، وقد كان ذلك مقدرًا فيها بالقوة، كما قال تعالى: {وبارك فيها وقدر فيها أقواتها} أي: هيأ أماكن الزرع، ومواضع العيون والأنهار، ثم لما أكمل خلق صورة العالم السفلي والعلوي، دحى الأرض فأخرج منها ما كان مودعًا فيها، فخرجت العيون، وجرت الأنهار، ونبت الزرع والثمار، ولهذا فسر الدحي بإخراج الماء والمرعى منها، وإرساء الجبال، فقال: {والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها} .اهـ كلامه."
وقد اختلف أهل العلم في مقدار هذه الستة الأيام على قولين: فالجمهور على أنها كأيامنا هذه، ومنهم من قال: إن كل يوم منها كألف سنة مما تعدون [انظر: البداية والنهاية (1/ 15) ] .