عندما يتمكن رجل عبقري بأي طريقة كانت من تخمين الأسس التي توائم بين الحقيقة البسيطة والمظاهر المعقدة والمتغيرة، فإن العقول السليمة تتقبلها بدون أن تبحث عن الطريق الذي أوصل إليها، وبدون انتظار براهين قوية ومنيرة، والتي تتراكم من قرن إلى آخر حتى يتم إخضاع الثائرين عن طريق تنوير الأكثر عمى"."
فإن قيل لقد أتونا بقوانين مكنتنا من تعليل كثير من المشاهدات، فنقول: هذا كبلر لما كتب في البصريات أتى بأخطاء فادحة، ومع ذلك فقد أمكن تعليل بعض المشاهدات بها، وهذا ما يقوله برتراند في كتابه السابق ص (131) .
فإذا فهمت هذه الحقيقة؛ عرفت بكل بساطة: لماذا حاربت الكنيسة هؤلاء، وأحرقت بعضهم، ذلك لأنها أدركت نواياهم الخبيثة في الإلحاد المطلق، والكفر المطبق، وهذا المنهج هو الذي جاء هيجل لكي يوضحه لنا، ويرسم للبشرية الطريق إليه، مضيفًا بعض الرتوش والتعديلات حيث يقول:"سأتكلم عن فكرة، وحسب علمي, لم تخطر على ذهن أحد، وهي: تلزمنا عقيدة جديدة، ولكن هذه العقيدة يجب أن تكون في خدمة الأفكار، يجب أن تصبح عقيدة العقل"ويقول أيضًا:"نسمع دائمًا بأن العامة بحاجة لدين حساس (فيه مشاعر) ، ولكن ليست العامة فقط، بل الفلاسفة أيضًا هم بحاجة لهذا الدين: التوحيد للعقل والقلب، وتعدد الآلهة للخيال والفن، إذًا هذا ما يلزمنا"فهو يقرر هنا أنه لا سبيل لإطلاق روح الإبداع والفن والخيال إلا باعتناق الوثنية، وتعدد الآلهة.
وحتى تدرك مدى روح العداوة التي تأصلت في قلوب هؤلاء تجاه كل ما نزل من السماء، وكيف أنهم استغلوا العلم والبحث العلمي مطية لأغراضهم الخبيثة؛ لهدم الدين ونشر الوثنية؛ تمعن في كلام س. بريوشينكين في كتابه"أسرار الفيزياء الفلكية والميثولوجيا القديمة"ص (456) :"وجاءت ولادة الكوسمولوجيا في أعمال كانط ولابلاس وسواهما من العلماء الآخرين لتوجه ضربة قاصمة إلى العقائد التوراتية، لم تتلق أقسى منها إلا على يدي كوبرنيكوس في نظريته مركزية الشمس، أما الضربة الثانية التي تلقتها العقائد التوراتية فقد جاءتها على يدي داروين في كتابه"نشوء الأنواع بالاصطفاء الطبيعي"الذي نشره في عام"