الصفحة 111 من 157

والرعد إلى التقاء الشحنات الموجبة والسالبة في السحاب، صارفين بذلك قلوب العباد عن ربهم، فإذا أيقن الإنسان بذلك، وانصرف تصوره إليه وحده، فما الذي يدعوه إلى الخوف من رؤية البرق الخاطف، وسماع صوت الرعد المرعب، فيتذكر غضب الجبار المنتقم من المجرمين، وتتطلع نفسه لما عند الله من خير نازل بسبب المطر الذي هذا مقدمته، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ • وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد (12 و 13) ] ، فهم ما أتوا بتفسير هذه الظواهر من أجل إسعاد البشرية - زعموا - ولكن من أجل صرف قلوب العباد عن التعلق بخالقها - سبحانه وتعالى -، خوفًا من غضبه وعقابه أن يصيبهم بهذه الصواعق فتحرقهم، أو يحول هذه الأمطار إلى فيضانات مدمرة فتهلكهم، ويقال مثل هذا أيضًا في هبوب الريح، وما ثبت عن النبي في ذلك، ففي الصحيحين [البخاري (3206 و 4829) . ومسلم (899) ] من حديث عائشة، أنها قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ، قال: «اللهم إني أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ ما فيها، وَخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ من شَرِّهَا، وَشَرِّ ما فيها، وَشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ» قالت: وإذا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عنه، فَعَرَفْتُ ذلك في وَجْهِهِ، قالت عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ؟ فقال: «لَعَلَّهُ يا عَائِشَةُ كما قال قَوْمُ عَادٍ: {فلما رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالوا هذا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} » . وفي رواية: أنها قالت: ما رأيت رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حتى أَرَى منه لَهَوَاتِهِ، إنما كان يَتَبَسَّمُ، قالت: وكان إذا رَأَى غَيْمًا أو رِيحًا عُرِفَ ذلك في وَجْهِهِ، فقالت: يا رَسُولَ اللهِ! أَرَى الناس إذا رَأَوْا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فيه الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إذا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ في وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ؟ قالت: فقال: «يا عَائِشَةُ ما يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فيه عَذَابٌ، قد عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وقد رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: {هذا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} » . وكذلك فعله - صلى الله عليه وسلم - عند رؤية الكسوف، خلافًا لما نسمعه من تصرف جهلة عصرنا من خروجهم لرؤية الكسوف، وكأنهم في نزهة، يتداعون لذلك بفرح وسرور، بسبب ركونهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت