الصفحة 101 من 157

كيف يكون للإنسان وحده ألا يكون متشربًا للاهوت، قائمًا به وفيه؟"، ويقولون أيضًا:"إن لاهوتنا ليس في فردوس ولا في شجرة، لا في جبل ولا في مبنى خاص، إنما هو في كلِّ مكان، في كلِّ ذرة من ذرات الكون، منظوره وغير منظوره، فوق وحول وفي كلِّ ذرة وكلِّ جزيء مرئيين"."

ولهذا فهم يؤكدون على دراسة المبادئ الإلهية الكبرى المهيمنة على الكون الأزلي - في تصورهم- والمسيِّرة له، إذ إن دينهم هذا يتناول، بالدرجة الأولى، النواميس الكونية التي تحكم ظواهر الطبيعة، إذ يرون أن المنظومات الشمسية التي تتألف منها المجرَّات والكون إجمالًا تعبيرات عن الحق الأسمى؛ ويشكل كلٌّ منها نظامًا مستقلًا، لكنه متأصل في المطلق غير المتجلِّي أبدًا، هكذا قال ملحدهم.

ولهذا لم تنفصل دراسة الرياضيات والفيزياء والفلك يومًا عن هذه العقيدة الوثنية؛ إذ يقول قائلهم:"ففي بلاد الإغريق، وارثة حكمة مصر، كانت الفلسفة والعلم والدين تُعلَّم ككلٍّ واحد لا يتجزأ، وكان مريدو الأسرار الصغرى في هياكل ذلفس وإلفسِس وساموثراكي وفي أكاديمية أفلاطون، وقبلئذٍ في مدرسة فيثاغورس في كروتونا، يدرسون الرياضيات والفيزياء وعلم النجوم، إلى جانب التعاليم الخاصة بطبيعة الألوهة والفيض والكوسمولوجيا ونواميس الطبيعة والبنية الباطنية للإنسان. أما"صفوة الصفوة"منهم، المؤهَّلة لولوج الأسرار الكبرى، فكانت تركز جهودها على تفتيح ملكاتها وقواها الباطنة في سبيل التحقق بالمعرفة والحكمة عبر التأمل الباطني وغيره من الرياضات السِّرَّانية".

وممن كان من معلمي الأسرار وممن حمل لواء التعليم الباطني: فيثاغورس وأفلاطون وأفلوطين ثم غلاة الصوفية والفلاسفة الإشراقيون ممن ينتمون لملة الإسلام مثل: الحلاج وابن عربي وابن سينا والسهروردي وأمثالهم.

وقد ذكروا أن من عوامل عدم انتشار هذه التعاليم الباطنية: تدمير مكتبة الإسكندرية القديمة عام (391) على يد بعض النصارى وبتحريض من الكنيسة آنذاك، وانقطاع الاتصال بين الشرق والغرب لعدة عوامل، وإحياء تعاليم أرسطو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت