الكعبة المشرفة بالمسجد الحرام (وهو أول مسجد تم بنائه في الأرض لعبادة الله تعالى وحده) مُسبّحين بحمد الله تعالى وحده ومُنزّهينه ومُعظّمينه، شاكرين له فضله.
ولقد بَيّن الإسلام أن الله تعالى وهو الإله الخالق الواجد القدير قد سأل كل إنْسان وهو في عالم الذرّ يوم أن كان ما يزال نُطْفة في صُلْب أبيه آدم عليه السلام (أول من خلقه الله تعالى من البشر) بكيفية مُعيّنة يعلمها سبحانه وتعالى (بمشيئة الله تعالى سوف نشير في نقطة لاحقة إلى الحقيقة العلمية التي قد تمّ اكشافها حديثا وموافقتها لِما أخبر به الإسلام منْ أنّ كل إنسان كان نُطفة في صُلْب أبيه آدم) وخَيّره بين أن يكون كغيره من المخلوقات االمفطورة على الإيمان به (سبحانه وتعالى) وعدم الإشراك في ألوهيته شيئا وأن يكون مَجْبولا مُجْبرا على طاعته وعدم عصيانه (فلا يُمْتحن ولا يُخْتبر ومِنْ ثم لا يدخل جنّة أو نارا) أو أن يكون مُخَيّرا في اختبار له بين الإيمان به سبحانه وتعالى وعدم الإشراك في ألوهيته شيئا وطاعته وتنفيذ أوامره (ومِنْ ثم يدخل الجنّة بما فيها من نعيم عظيم دائم كمكافئة له إذا نجح في اجتياز هذا الاختبار) وبين التكذيب بألوهيته والإشراك به وعصيانه وعدم تنفيذ أوامره (ومِنْ ثم يصير مُسْتَحقا للعذاب إذا لم ينجح في اجتياز هذا الاختبار، كعقوبة له على تقصيره وتفريطه في حقّ إلهه وخالقه من كفر وتكذيب بألوهيته ووحدانيته وإنكار وجحود لنعمه وعدم تعظيم له ولأوامره) ويكون له حرية الإرادة في الاختيار لأحد الأمرين وعدم الإجبار على شيء.
ولأن الإنسان كان متطلّعا إلى النعيم ومتشتاقة نفسه إليه فقد كان راغِبا في الجنّة (بما فيها من نعيم عظيم دائم) طامِعا في أن يُخَلّد فيها ومن ثم كان اختياره أن يكون مُخَيّرا (على نحْو ما ذكرنا آنفا) دون تَقْدير منه للمسئولية التي سوف تئول إليه حيث إنه سوف يصير مطلوبا منه ألا يُغَرّ وينخدع بالحياة الدنيا وزينتها الفانية وألّا تشْغَله عن طاعة إلهه وخالقه وتنفيذ أوامره.
-وقد يقول الإنسان أنه لا يذكر ذلك السؤال، وذلك أمر طبيعي حيث إن الإنسان سُمّي بذلك الاسم (إنسان) لكثرة نسيانه حيث إنه بمرور الوقت ينْسى وتقِلّ قدرته على التذكر فما بالنا بحَدَث منذ زمن بعيد لا سيما وأن حكمة الله تعالى ومشيئته قد اقتضت مَحْو ذاكرة الإنسان بخصوص ذلك الحَدَث كونه ما زال في هذا الامتحان والاختبار، ولكن بما أن الله تعالى قد أخبر بذلك على لسان خاتم أنبيائه ورسله محمدا - صلى الله عليه وسلم - (الذي جاء بالإسلام دينا وأيّده ربّه تبارك وتعالى بالمعجزات والخوارق لتكون شاهدة على نبوته ورسالته وصدق ما أخبر به) فيجب علينا الإيمان والتصديق به.
ولتقريب الصورة، فليسأل كل إنسان نَفسه هذا السؤال مرّة أخرى: إذا كان له الاختيار من جديد، فهل يُفضّل أن يكون مفطورا ومجْبولا على تسبيح وعبادة إلهه وخالقه بشكل وبكيفية معيّنه ومن ثم لا يُمْتحن ولا يُخْتبر ولا يدخل جنّة أو نارا أو أنه يفضّل أن يكون مُمْتحنا من الله تعالى على أن تكون له الجنّة بما فيها من نعيم عظيم دائم إذا كان نجح في اجتياز هذا الامتحان ويصير مستحقا لعقابه إذا كان مُقصّرا غير مجتاز له؟
ولكن حتى يكون الإنسان صادقا مع نفسه عليه أن يجعل ذلك السؤال في غير وقت ضِيقه وتضجّره من هموم ومتاعب الدنيا التي يعيشها، في وقت صفاء لذهنه ليكون مستقرّا في إجابته.