أيضا، فإننا نجد أن مثل تلك الصور والتماثيل على اختلاف أشكالها وصورها وأحجامها تكون سببا في أن تميل النفس البشرية إلى تعظيمها (لا سيما إذا كانت كبيرة الحجم، رهيبة المنظر) ثم عبادتها (وذلك بمرور الزمن، وشواهد ذلك في عديد من البلدان كثيرة) وصَرْف الدعاء لها من دون الله تعالى وهو الإله الحقّ المُستحق للحبّ والتعظيم والعبادة وحده دون سواه، فالله سبحانه وتعالى هو الإله الخالق الواجد وما سواه مخلوق ومصنوع.
ومن ثم تظهر حكمة الإسلام في النهي عن تصوير الإله الخالق وتمثيله في شكل أحجار وتماثيل، ومن ثم القيام بتعظيمه وتبجيله جل وعلا حقّ التعظيم والتبجيل.
-واستكمالا لإجابة التساؤلات التي أشرنا إليها، ومنها إجابة التساؤل الثالث: لماذا خلق الله تعالى الإنسان وأوجده؟ والذي أيضا يعمل العقل على التفكر في إجابته، نجد أن: الإسلام قد جاء موضحا أن الله تبارك وتعالى (وهو الإله الخالق) قد خلق الإنسان لعبادته وطاعته مُسترشدا بتعليماته وتوجيهاته فيمتثل لأوامره ويجتنب نواهيه ويُطبق شريعته، وذلك في امتحان واختبار منه سبحانه وتعالى لهذا الإنسان طوال فترة حياته ابتداء من سنّ بلوغه ورشده وتَمْييزه (وهو السنّ الذي يصير فيه الإنسان قادرا على الزواج والإنجاب) وحتى مماته.
وهذا الاختبار ينقسم إلى جزأين يمكن توضيحهما في إيجاز على النحو التالي:
الجزء الأول (الاختبار الأول، وهو الجزء الأكبر من الاختبار) : هل سيؤمن الإنسان بإلهه وخالقه فيعترف بوجوده ونعمه عليه ولا يشرك في ألوهيته شيئا، أم أنه سيكون منكرا لإلهه وخالقه جاحدا لنعمه عليه مشركا غيره في ألوهيته؟
وهذا الجزء الأول من الاختبار هو بمثابة الأساس الذي يُبنى عليه الاختبار الثاني، فإذا اجتازه الإنسان ناجحا فيه (وذلك بالإيمان بالإله الخالق الواجد والاعتراف بوجوده ونعمه عليه غير مشرك في ألوهيته شيئا) يصير مؤهلا لاجتياز الاختبار الثاني، وإذا لم يجتازه فلا ينفعه نجاحه في اجتياز الاختبار الثاني.
الجزء الثاني (الاختبار الثاني) : هل سيعبد الإنسان إلهه وخالقه (الذي آمن به وأقرّ بوحدانيته في ألوهيته واعترف بنعمه عليه) ويطيعه بالكيفية التي أرادها منه مُعظّما أوامره أم أنه سيكون متكاسلا في عبادته وطاعته له متناسيا نعمه عليه مُستهينا بما أمره به؟ هل سيكون شاكرا لإلهه وخالقه على ما مَنَّ عليه ورزقه به من نِعَم ويكون صابرا غير قانت على ما قدّره الله تعالى عليه (تبعا لحكمته جل وعلا البالغة) من ابتلاءات ومِحَن أم أنه سيكون غافلا عن شُكْر إلهه وخالقه متناسيا نعمه عليه ويكون قانتا غير صابر على ما قدّره الله تعالى عليه (تبعا لحكمته جل وعلا البالغة) من ابتلاءات ومِحَن؟
وهذا الجزء من الاختبار (الاختبار الثاني) إذا نجح الإنسان في اجتيازه (بعبادته لإلهه وخالقه وطاعته بالكيفية التي أرادها منه وبشكره على نعمه وصبره وعدم قنوته على ما قدّره عليه من ابتلاءات ومِحن) بالإضافة إلى نجاحه في اجتياز الاختبار الأول فإنه يصير (بفضل من الله تبارك وتعالى) أهْلًا للفوز بمغفرة الله تبارك وتعالى له وبالجائزة الكبرى التي أعدّها سبحانه وتعالى لمن يجتهد وينجح في هذا الاختبار، وهي الجنّة بما فيها من نعيم عظيم دائم مُقيم (بما في ذلك من التَّنَعُّم والتَّلذُّذ برؤية الإله الخالق جلّ وعلا الذي ليس كمثله شيء) بالإضافة إلى رضوانه تبارك تعالى عليه أبدا، فمن يدخلها (الجنّة التي خلقها الله تبارك وتعالى) يُنَعَّم فلا يشقى أبدا ويحيا فلا يموت أبدا.