الصفحة 61 من 104

ولأن الأكل فوق الشبع ربما يُمرضه، فيكون ذلك كجراحته نفسه. إلاّ أن بعض المتأخرين - رحمهم الله - استثنى من ذلك حالة إذا كان له غرض صحيح إلى الأكل فوق الشبع، فحينئذ لا بأس بذلك، بأن يأتيه ضيف بعد تناوله مقدار حاجته فيأكل مع ضيفه لئلا يخجل، وكذا إذا أراد أن يصوم من الغد، فلا بأس بأن يتناول بالليل فوق الشبع ليتقوى على الصوم بالنهار.

ولذا قال النووي - رحمه الله - في شرحه لصحيح مسلم: وما جاء في كراهة الشبع فمحمول على المداومة عليه، لأنه يقسّي القلب، وينسي أمر المحتاجين.

ومن باب الطرافة واللطافة أورد ابن طولون في كتابه أخبارًا نادرة عمّن عُرف بالشراهة في الأكل، زيادة على طاقة البشر المعهودة. وأتبع ذلك بذكر الأسباب الطبيّة والطبيعية التي تؤدي إلى ذلك ومضارها، ثم نبّه ووعظ وأورد آدابًا اسلامية عند الإقبال على الطعام والانتهاء منه.

وأجمل ما في كتاب ابن طولون ما أورده عن مذاهب الناس في الأكل، حيث جعلها في عشرين قسمًا، بعضها صحيح واقع، وبعضها تاريخي لم يعد له وجود، وبعضها غريب.

قال ابن طولون - رحمه الله -، قال شيخنا أبو المحاسن ابن المبرد الحنبلي: وقد اختلف الناس في حد الأكل على مذاهب: جدية وهزلية. ومن ذلك:

المذهب الأول: الوارد عن رسول الله (( لقيمات يقيم بها الصلب ) ).

المذهب الثاني: الشبع حتى تكتفي النفس ولا يقدر على الزيادة.

المذهب الثالث: مذهب الرؤساء والأكابر.

المذهب الرابع: مذهب الأمراء والأجناد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت