الصفحة 4 من 60

ولما لم يتمكن من الالتحاق «بمعهد الدراسات الشرقية» اضطّر لتعديل أهدافه وغاياته، والتحق بمدرسة «اللاسلكي» غير البعيدة عن «معهد اللغات الشرقية» للتخرج كمساعد مهندس، ممّا يجعل موضوعه تقنيًا خالصًا، بطابعه العلمي الصرف، على العكس من المجال القضائي والسياسي .. لكن تشاء الأقدار أن يدخل «مالك بن نبي» من هذا الباب نفسه إلى عالم الفكر السياسي.

فهناك في مدرسة «اللاسلكي» كان مطلوبًا منه أن يكون مُلمًا بالرياضيات ليتمكن من الالتحاق بهذه المدرسة ودخل مالك عالم الرياضيات الذي أحدث له تغييرًا عميقًا في النظر وفي التفكير لديه فكانت فترة دراسته للرياضيات نقطة تغيير جذري في اتجاهه الفكري - كما يقول ذلك في مذكراته - ودخل من خلالها إلى مناخ الكم والكيف حيث يخضع كل شيء إلى المقياس الدقيق ويتسم فيه الفرد أول ما يتسم بميزات الضبط والملاحظة ..

ورغم جده واجتهاده إلا أنه لم يتمكن من اجراء الامتحان التطبيقي الضروري لتخرجه مهندسًا بعد أن أنهى دراسته في الكهرباء والميكانيكا بسبب اعتذار المؤسسات والمصانع التي يمكن التطبيق فيها لنشاطه في مقاومة الاستعمار.

وفي عام (1351 هـ - 1931 م) تزوج مالك اثناء دراسته في فرنسا من شابة فرنسية أسلمت وسمت نفسها (خديجة) حيث هيأت له أسباب الراحة وساعدته على مواصلة دراسته ومواصلة تكوينه الفكري وقد أفرد لها صفحات مهمة في مذكراته لدورها القوي في حياته وكيف كانت جانبًا مضيئًا له في غربته في فرنسا .. كما أنه في تلك الفترة التقى بصديقه «حمودة بن الساعي» الذي كان للقائه به تأثير كبير عليه.

بقي مالك في باريس من عام (1939 م-1956 م) ، ثم ذهب إلى القاهرة للمشاركة في الثورة الجزائرية من هناك.

وفي مصر كانت مرحلة أخرى له مع التأليف وإتقان اللغة العربية وعقد الحلقات العلمية المفتوحة لجميع الطلبة في منزله بالقاهرة، حيث تتم مناقشة مؤلفاته وشرح أفكاره حيث تأثر بها عدد كبير من الطلبة العرب والمسلمين الذين كانوا يتلقون تعليمهم في القاهرة، إذ أن المناقشات والتحليلات الدقيقة لمشكلات العالم الإسلامي كانت توقظ أذهان العديد من الطلبة وتوضح لهم الحقائق وكانت معظم الموضوعات التي تناقش حول مشكلات الحضارة.

وتعتبر فترة وجود مالك بن نبي في مصر من أغنى مراحل عطائه الفكري الذي ألف فيها العديد من الكتب بالإضافة إلى ترجمة البعض الآخر من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت