الإصلاح والثقافة العربية والاتصال بالمشرق العربي، وحيث كان الشيخ «عبد الحميد بن باديس» يقوم بمهمته الإصلاحية بالإضافة إلى ما اكتسبه من قراءته للصحف بمختلف اتجاهاتها (الشهاب) و (الإقدام) و (الإنسانية) .
سافر عام (1925 م) إلى مرسيليا وليون وباريس بحثًا عن عمل ولكن دون جدوى، فعاد إلى الجزائر حيث عمل في تِبسَّة مساعد كاتب في المحكمة. وأتاح له عمله هذا الاحتكاك بمختلف شرائح المجتمع أيام الاستعمار مما ساعده على تفسير ظواهر مختلفة فيما بعد.
وفي عام (1928 م) تعرّف مالك بن نبي على الشيخ «عبد الحميد بن باديس» (1887 - 1940 م) ، وعرف قيمته الإصلاحية.
وفي عام (1350 هـ -1930 م) وكانت فرنسا تحتفل بعيدها المئوي لاحتلال الجزائر اضطر مالك بن نبي للسفر إلى فرنسا مرة أخرى وحاول الالتحاق «بمعهد الدراسات الشرقية» ، أملًا في التخرج محاميًا، فهيأ نفسه لامتحان الدخول، وانتظره هنالك واستعدّ له. ثم اجتازه وكله ثقة في النجاح، لكن النتيجة كانت خيبة الأمل المقررة مسبقًا، فقال عنها: «لقد طلبني مدير المعهد، وفي هدوء مكتبه الوقور شرع يشعرني بعدم الجدوى في الإصرار على الدخول لمعهده، فكان الموقف يجلي لنظري بكل وضوح هذه الحقيقة: إن الدخول لمعهد الدراسات الشرقية لا يخضع بالنسبة لمسلم جزائري لمقياس علمي وإنما لمقياس سياسي، ونزلت كلمات المدير على طموحي نزول سكين المقصلة على عنق المعدوم .. وفي ذلك اليوم لم يتحطم فقط أملي، بل شعرت أن حلم والدتي ووالدي قد تحطم أيضًا على صخرة الإرادة المقررة في خبايا الدوائر الاستعمارية في فرنسا مثلما في الجزائر»
وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه نتيجة امتحان الدخول لهذا المعهد، زار متحفًا للفنون والصناعات كان سببًا في تفكيره لأول مرة في مشكلة الحضارة عندما شاهد عينات التقنية من القاطرة البخارية الأولى والطائرة، وكما كان للوقائع المفاجئة أثرها في تأكيد مسار مالك الفكري، فإنها أيضًا قادته وهو طالب يتلقى مساعدة مالية من والده تعينه على الدراسة في باريس إلى أن يبحث عن مطعم يقدم وجبات غذائية بسعر مناسب يتفق ومقدرته المالية، وكان ذلك سببًا في انتسابه «للوحدة المسيحية للشباب الباريسيين» الذي أتاح له التعرف من قرب على الجانب الروحي للحضارة الغربية، كما أسهمت هذه الوحدة في تعرف مالك على الحياة الأوروبية بشكل تفصيلي عن طريق صديقه الأوروبي الذي كان يأخذه معه إلى منزله ويكتشف «مالك» من خلال تلك الزيارات واقع الحياة الأسرية العائلية الأوروبية.