تجاهها، سواء من حيث الفكر والسلوك أو من حيث ما أزكي من فضائلها وما أرفض من رذائلها).
هذه الشهادة من مالك بن نبي لدور جدته ووالدته وزوجته مهمة لإبراز كم للنساء من آثار عميقة في بناء الأسرة والأبناء .. أيضًا ما يتعلق بزوجته «خديجة» وخصوصًا لمن يتعمق في معظم ما كتب عنها نجد أن استقراء مالك للحضارة الغربية لم تكن انبهارًا واستحواذًا كما يحدث للبعض!! ولكنه معايش وواقع عملي مكنه من التعمق في الثقافة الأوروبية وسبب لتحرره من نفوذها ومعرفته لمصادرها ومواردها ودوافعها الخفية وبواعثها العميقة، كما أنه يتميز عن كثير من المفكرين الذين عادوا من أوروبا في تلك الفترة؛ فلم ينحرف مع التيار الجارف الذي كان سائدًا ولم يحدث عنده تحول نوعي في أفكاره وآرائه كما حصل للبعض في مرحلته .. وكما يحدث للبعض في واقعنا المعاصر الآن!!
تميزت كتب الأستاذ مالك في عمومها - موضوعاتها ومصطلحاتها ومفرداتها - ببصمات خاصة، فجاءت كتبه تحمل عناوين جديدة ومضامين جديدة لم يعرفها الفكر العربي والإسلامي الحديث بالدقة التي تمت بها معالجته لموضوعات تلك الكتب، ومن أهم معالم التجديد في فكر مالك بن نبي، أنه تجاوز الأساليب التقليدية لدى الباحثين الإسلاميين، وهي الأساليب التي تبحث في العقائد والعبادات والمعاملات والأدب والتاريخ والسياسة، وتحاول أن تنقى الفكر الإسلامي من بعض الأخطاء والتفسيرات التي سادت في عصور الانحطاط ... تلك المحاولات كانت تعالج قضايا تحيط بالإنسان المسلم، والمجتمعات الإسلامية، أي أنها تتعامل مع العالم الخارجي أكثر من تعاملها مع عناصر التغيير الداخلية، تغيير الأفكار والنفوس طبقا لقوانين التغيير الاجتماعي.
لكن «مالك بن نبي» الذي أتقن اللغة الفرنسية، وتثقف بها، وعاش بضميره الإسلامي، والذي كان يعانى من وطأة الاستعمار الأوروبي لبلاده الجزائر، كان يفكر برؤية أكثر عمقا وشمولا وتحديدا، وعنده أن الإصلاح والنهوض الفعلي يبدأ من تغيير الإنسان المسلم، والتغيير الأهم ينطلق من الفكر، وعنده أن (الحضارة ما هي إلا نتاج فكرة جوهرية) تدفع بالمجتمع نحو دوره التاريخي الحضاري. وهو الذي شد انتباه قرائه إلى البعد النفسي والاجتماعي لقانون التغيير كما جاء في الآية القرآنية: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11] .