بسم الله الرحمن الرحيم
يعدّ «مالك بن نبي» واحدًا من أعلام الفكر الإسلامي الذين حجب فكرهم عن الناس لعدم اهتمام الدارسين بهم .. إنه المفكر العملاق الذي نذر حياته في خدمة القضايا الإنسانية العادلة ابتداء من القضية الجزائرية إلى القضايا القومية والإسلامية وانتهاء بمعضلات العالم الثالث, فلقد أمضى أكثر من ثلاثين عامًا متأملًا يحلّل ويضع شروط النهضة للمجتمع الإسلامي. ورغم التعتيم والتهميش الذي مورس ضده حيا وميتا، إلا أن فكره بقي حيا يُقرأ وأفكاره ما زالت تنبض بالحيوية والفعالية، تتداولها أجيال ما بعد الاستقلال في الجزائر وفي العالم الإسلامي برمته.
ولد «مالك بن نبي» عام (1905 م) في قسنطينة بشرق الجزائر في أسرة فقيرة، بين مجتمع جزائري محافظ. في تلك الفترة التي شهدت أحداثًا كبيرة في تاريخ الجزائر وتاريخ الدول العربية، فقد سقطت الخلافة العثمانية واحتلت فرنسا الجزائر وبسطت هيمنتها على تونس والمغرب وكانت معظم الدول العربية تحت الاستعمار وما ترتب على ذلك من ردود الأفعال سواء في شكل حركات جهادية للتحرر أو دعوات إصلاحية.
وكانت مراحل دراسته الابتدائية والثانوية بين مدينتي (تِبِسّة) و (قسنطينة) ، فتتلمذ في المدرسة نفسها على أساتذة وطنيين، في العربية، زرعوا في نفسه بذرة العمل الوطني، كما درس على أساتذة فرنسيين عنصريين، أشعروه بالخطر الاستعماري الفرنسي لمسخ الشخصية الإسلامية العربية في الجزائر، وتشويه تاريخ الوطن.
حفظ القرآن في الكتّاب في المرحلة الابتدائية وواصل تعليمه إلى المرحلة الثانوية حيث اشتد شغفه بالاطلاع والثقافة .. وإلى جانب تعلمه في المرحلة الثانوية كان يتلقى دروسًا في اللغة العربية على يد «الشيخ عبد المجيد» الذي أثر في تكوينه الفكري وغرس فيه حاسة النقد الاجتماعي، كما تأثر أيضًا - كما يذكر في مؤلفاته- في المدرسة الثانوية بالسيد «مارتن» الذي أسهم في إثراء حصيلة تلامذته ومنهم «مالك بن نبي» بالمفردات اللغوية وغرس فيهم ملكة التعبير وتذوقه وحبب إليهم المطالعة.
وفي هذه المرحلة أيضًا بدأت تتبلور أفكاره وتتحدد رؤيته السياسية والاجتماعية فقد تأثر بالمناخ الثقافي الذي كان يسود منطقة الشرق الجزائري في القسنطينة حيث شاعت فيها روح