مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران: 144] .
يركز مالك بن نبي في أكثر كتبه على هذا المرض، ويطالب المسلمين، والشباب بشكل خاص، بأن يتحول للارتباط بالمنهج لا بشخص معين، لأن هذا الشخص مثل الرأس الذي يقود عربات القطار، فإذا انحرف انحرف القطار كله، وهذا الذي يثيره الأستاذ مالك صحيح بشكل عام ولكنه بالغ في تهميش دور الأشخاص مع أنهم هم الذين يحملون الفكرة ويجسدونها عمليًا حتى يقتنع الناس بها، وكلامه فيه شيء من التجريد والمثالية، وهذا الإسلام، وهو حق صريح، إذا لم يحمله أشخاص يتمثلونه ويثرونه بين الناس فلا ينتشر إلا قليلًا.
إذا كان هناك طغيان في عالم الأشياء وعالم الأشخاص، فقد يصل الأمر إلى طغيان في عالم الأفكار، فعندما يكون المجتمع في حالة مضطربة، فلا هو بداية دخول الحضارة، ولا هو خارج تمامًا عن الحضارة، في هذه الحالة قد يفقد المتعلم تكيفه مع الوسط الاجتماعي، أو لا يستطيع أن يقوم بعمل مثمر يرضي ضميره، عندئذ يلجأ إلى البحث في الأفكار المجردة النظرية التي لا تأخذ طريقها إلى التطبيق، وبدل أن يتكلم عن معاناة الناس ومشاكلهم والتخطيط لمجتمع أفضل فهو يتكلم عن الماضي الذي ليس له صلة بالحاضر، أو يفتعل معارك وهمية ليكون هو أحد أبطالها، وتدفع المطابع كل يوم عشرات الكتب التي لا تمس الواقع المعاش بل هي هروب مفتعل من الواقع، وقد تطغى الأمور النظرية على مدرس في الجامعة فيتحدث عن تركيب الأدوية وعن النباتات ويجهد نفسه في وصف بعض النباتات بدلًا من أن يمد يده من النافذة ويقطف واحدة منها ليقدمها إلى الطلبة حية نابضة، ولكنه مع الأسف يبحث عنها في الكتاب، فهو كل شئ بالنسبة له [1] .
وقد يبلغ الخلل في عالم الأفكار، إلى درجة أن يعرقل المبادرات والجهود، وهو ما يسميه مالك بن نبي «الأفكار الميتة» (فالبديهيات في التاريخ، كثيرًا ما قامت بدور سلبي كعوامل تعطيل مثل بديهية: الأرض مسطحة، فإنها حالت دون اكتشاف أمريكا قرونًا طويلة) [2] ،
(1) مشكلة الأفكار /106.
(2) تأملات /189.