وروي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ـــ ويأتي ـــ قوله: «لا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان، ولسان وشفتان، يعرف الكافر من المؤمن، قد جاهدت وأنا أعرف الجهاد، ولا أبخع بنفسي إن كان رجل خيرًا مني» .
قال القاضي عياض: فتنة من يشكل فيها المحق من المبطل، فواجب عل كل من لم يتبين له المحق من المبطل منهما الانعزال حتى يتضح الحق، ... ولهذا تأولوا على من تخلف من جملة الصحابة في حروب علي رضي الله عنهم، ويصح هذا التأويل قوله: «إن جئتنى بسيف له عينان» [1] .
2: القتال على السلطة: عن سعيد بن جبير، قال: قيل: لابن عمر رضي الله عنهما يا أبا عبد الرحمن، حدثنا عن القتال في الفتنة، والله يقول: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} فقال: هل تدري ما الفتنة، ثكلتك أمك؟ «إنَّما كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس كقتالكم على الملك» [2] .
وتقدم ـــ قريبًا ـــ قول ابن عمر رضي الله عنهما: «إنَّما هؤلاء فتيان يتقاتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا»
ويأتي قول أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه: «ذاك الذي بالشأم [مروان بن الحكم] ، والله إن يقاتل إلا على الدنيا، وإنَّ هؤلاء الذين بين أظهركم [القراء بالبصرة] ، والله إن يقاتلون إلا على الدنيا، وإنَّ ذاك الذي بمكة [ابن الزبير رضي الله عنهما] والله إن يقاتل إلا على الدنيا»
قال ابن حزم: من قام لعرض دنيا فقط، كما فعل يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان في القيام على ابن الزبير رضي الله عنهما، وكما فعل مروان بن محمد في القيام على يزيد بن الوليد، وكمن قام أيضًا عن مروان، فهؤلاء لا يعذرون، لأنَّهم لا تأويل لهم أصلًا، وهو بغي مجرد وأما من دعا إلى أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، وإظهار القرآن، والسنن، والحكم بالعدل: فليس باغيًا، بل الباغي من خالفه [3] .وقال: الجورة من غير قريش فلا يحل أن يقاتل مع أحد منهم؛ لأنَّهم كلهم أهل منكر، إلا أن يكون أحدهم أقل جورًا فيقاتل معه من هو أجور منه [4] .
وقال الإمام مالك: إذا خرج على الإمام العدل خارج وجب الدفع عنه، مثل عمر بن عبد العزيز، فأما غيره فدعه ينتقم الله من ظالم بمثله ثم ينتقم من كليهما [5] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: قتال الفتنة المنهي عنه والذي تركه خير من فعله كما يقع بين الملوك والخلفاء وغيرهم وأتباعهم [6] .
وقال الحافظ ابن حجر: حمل هؤلاء الوعيد المذكور في الحديث [إذا توجه المسلمان بسيفيهما] على من قاتل بغير تأويل سائغ بل بمجرد طلب الملك [7] .
(1) إكمال المعلم (8/ 420) .
(2) رواه البخاري (7095) .
(3) المحلى (11/ 98) .
(4) المحلى (8/ 426) .
(5) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (4/ 153) .
(6) مجموع الفتاوى (4/ 450) .
(7) فتح الباري (13/ 34) .