والله: بتفسير اللازم أنه الخالق سبحانه الذي فطر سائر المخلوقات، ومن الأدلة أيضًا: وقوله: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} : والكلمة السواء هي كلمة العدل والإنصاف، التي لا يختلف فيها رسول ولا كتاب، والتي يستوي في فرضية الإيمان بها الجميع؛ وهي كلمة لا إله إلا الله، وعبرت الآية عنها ألا نعبد إلا الله؛ فيكون معنى الإله المعبود، وأما تقدير الخبر المحذوف في لا إله .. إلا الله بقولنا: بحق، فدلت عليه أدلة كثيرة، منها قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} سورة الحج (62) ، فأخبر عن نفسه سبحانه أنه المعبود الحق، وأخبر عن سائر المعبودات أنها المعبودات الباطلة، ودليل شهادة أن محمدًا رسول الله قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم: أي من جنسكم، وقرئ من أنفسكم بفتح الفاء أي من أشرفكم، عزيزٌ عليه ما عنتم: أي يشق عليه ما يشق عليكم، حريصٌ عليكم: يعني على هدايتكم، وإنقاذكم من النار، بالمؤمنين رؤوف رحيم} : فوصفته الآية أنه من العرب ومن أشرفها نسبًا، وهو رفيقٌ بالمؤمنين، حريصٌ على إيصال الخير لهم، يتصف بالرحمة والرأفة، وليس إلا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومن الأدلة العقلية على أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رسول من عند الله: أن الله من حكمته ألا يترك الناس هملًا بلا رسول ولا كتاب، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} سورة الأنعام (91) ، وقد عُلم من صفات النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما أعطاه الله من الآيات الشرعية؛ كالقرآن الكريم المعجز، والآيات الحسية؛ كانشقاق القمر وحنين الجذع ونبع الماء بين أصابعه، ومن الإخبار عن المغيبات، مع كونه - صلى الله عليه وسلم - لا يخط ولا يقرأ الخط المكتوب، وشهادة الله تعالى له بالرسالة وشهادة أهل الكتاب له، {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} سورة الرعد (43) ، وتمكين الله له ونصره على عدوه ونشر دينه، مع أن المعلوم أن سنة الله جرت فيمن ادعى النبوة كذبًا ألا يمُكِّن له أمره، قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} سورة الحاقة (44 - 46) ، فكل هذه الأدلة العقلية والحسية دلت على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وإرساله للناس، ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله: الإقرار والإيمان بأن محمدًا بن عبد الله القرشي الهاشمي - صلى الله عليه وسلم - رسول الله عز وجل إلى جميع الخلق من الجن والإنس، وهذا يقتضي أربعة أمور: الأول: طاعته فيما أمر: سواء علمنا حكمته أم لم نعلم، فموقف المؤمن من الأوامر الطاعة والتنفيذ بحسب الاستطاعة، وطاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - على قسمين: طاعة تحفظ للعبد أصل إيمانه؛ كطاعته في توحيد الله وأداء الصلاة، وطاعة زائدة على ذلك؛ كطاعته في الواجبات والمستحبات، والثاني: وتصديقه فيما أخبر: سواء أعلمنا حقيقة معناه أم لم نعلم، فموقف المؤمن من الأخبار التصديق والإيمان، وأخباره - صلى الله عليه وسلم - على قسمين: أخبار متواترة مستفيضة يكفر مكذبها، وأخبار خفية دقيقة لم تتواتر ولم تستفيض لا يكفر مكذبها بل يُعرف بها، والثالث: واجتناب ما نهى عنه وزجر: فموقف المؤمن من المناهي والزواجر (الكبائر) الاجتناب والبعد، وترك النواهي على قسمين: قسمٌ يحفظ أصل الإيمان؛ كترك الشرك والسحر، وقسمٌ يُوقع العبد في الإثم وخلاف الأولى ولا يكفر بفعله، والرابع: وأن لا يعبد الله إلا بما شرع: فموقف المؤمن من العبادات التوقف عند ما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - دون زيادة أو إحداث، والبدع على قسمين: بدع تفسد أصل الإيمان؛ وهي البدع المكفرة، وبدع دون ذلك، وهي البدع المفسقة، ودليل هذه الأمور الأربعة قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} سورة الحشر (7) ، ودليل الصلاة