الصفحة 8 من 26

-ولنعلم أن المولاة قسمان: القسم الأول: الموالاة الكبرى (ويقال: التولي والمظاهرة) : وهي محبة الشرك وأهله، أو نصرة الكفار على أهل الإيمان قاصدًا ظهور الكفر على الإسلام، وهذه من الكفر المخرج من الملة، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} سورة المائدة (51) ، والقسم الثاني: الموالاة الصغرى: محبة أهل الشرك لأجل الدنيا؛ كحب قرابة أو حب مال، وهي من كبائر الذنوب وليست من الكفر المخرج من الملة، والدليل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ} سورة الممتحنة (1) ؛ فناداهم باسم الإيمان ونهاهم عن هذه الموالاة.

المقدمة الثالثة: في معرفة الإسلام وأعظم واجباته:

اعلم أرشدك الله لطاعته: الرشد ضد الغي، وهو الاستقامة على طريق الحق، ومن عادة المصنف رحمه الله تعالى عند تقرير المسائل المهمة أن يدعو للطالب والقارئ؛ حرصًا منه على أن يكون هذا العلم الذي يتعلمه الطالب سبيلًا لرحمة الله وتوفيقه له.

أن الحنيفية: نسبة للحنف؛ وهو الميل عن الباطل والشرك إلى الحق والتوحيد، وهو ضد الجنف، والحنيف هو المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه، وقد عرفها بقوله: ملة إبراهيم: والملة من الملل أي المعاودة والتكرار، وهي اسم لكل ما شرعه الله سبحانه وتعالى لعباده على ألسنة أنبيائه، وقد بيّنها بقوله: أن تعبد الله: العبادة في اللغة الذل، يقال: طريق معبدة أي مذللة، وللعبادة اصطلاحًا تعريفان: تعريف بالمعنى العام: وهي التذلل لله محبة وتعظيمًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه، وهذا تعريف يعم العبادة التي هي فعل الأوامر وترك النواهي، وتعريفها بالمعنى الخاص: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وتنقسم العبادة إلى قسمين: عبادة كونية: وهي شاملة لجميع الخلائق؛ فكل مخلوق عبد لله خاضع لأمره الكوني، قال تعالى: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} سورة مريم (93) ، وعبادة شرعية: وهي مقتصرة على من أطاع أمر الله الشرعي واتبع رسله، قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} سورة العنكبوت (56) .

مخلصًا له الدين: الإخلاص في اللغة التنقية، واصطلاحًا هو إفراد الله تعالى بالوجهة والقصد، فينقي عمله من كل شائبة شرك سواء أكان أكبر أو أصغر، وهو شرط قبول العمل وبتحقيقه تتضاعف الأجور، وبذلك أمر الله جميع الناس: أي بالحنيفية؛ وهي إخلاص العبادة لله تعالى، قال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} سورة البقرة (130) ، وخلقهم لها؛ كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} : فالمقصد من خلق الناس أمران: الأول: معرفة الله تعالى بربوبيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} سورة الطلاق (12) ، والثاني: توحيده سبحانه في عبادته، كما في الآية التي ذكرها المصنف، ومعنى يعبدون يوحدون: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل موضع في القرآن اعبدوا الله فمعناه وحدوا الله.

وأعظم ما أمر الله به التوحيد: ويدل على ذلك أن الله تعالى خلق عباده ليفردوه بالعبادة، وبذلك دعا كل رسول قومه، فقال: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} سورة الأعراف (59) ، وأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحابته بذلك، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت