أن يكون عابدًا لله ولغيره فهذا كافر مشرك، وإما أن يكون عابدًا لغير الله دون أن يعبد الله تعالى فهو كافر جاحد، والدليل قوله تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} : فحكمت الآية على من دعا غير الله معه بثلاثة أحكام: أنه لا برهان له ولا دليل عنده على شركه، وأنه حسابه وعقابه يوم القيامة يوفيه إياه ربُه، وأنه من الكافرين الذين لا يفلحون أبدًا، وضابط الشرك صرف ما هو من خصائص الله تعالى لغيره، ويعرف ما يختص الله به بأمور: (1) النهي عن صرفه لغير الله. (2) ذم من صرفه لغير الله تعالى. (3) حصره في الله تعالى بأحد أساليب الحصر بإنما: تقول إنما الدعاء لله، أو النفي والإثبات: تقول لا دعاء إلا لله، أو تقديم ما حقه التأخير: تقول أدعو الله؛ فإن قدمت ما تأخر فقلت: الله أدعو دل على حصر الدعاء لله. (4) الدليل العام: فكل عبادة هي مختصة لله، وصرفها لغير الله شرك.
-ثم بدأ المصنف رحمه الله تعالى ببيان الأدلة التفصيلية على ما سبق أن أجمله من العبادات، فبدأ بالدعاء، والدعاء قسمان: الأول: دعاء مسألة والمراد به طلب الحاجات من جلب نفع أو دفع ضر بلسان المقال، والثاني: دعاء عبادة؛ ويشمل كل عبادة يتقرب بها العبد لله؛ إذ أن العابد داعٍ لله بلسان حاله سائله المغفرة والقبول، والدليل العام على أن الدعاء عبادة: أن الله أمر به فقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} سورة الأعراف (55) ، وأثنى على الداعين، فقال تعالى عن أنبيائه: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} سورة الأنبياء (90) ، ورتب عليه الإجابة، فقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} سورة غافر (60) ، والدليل الخاص على أن الدعاء عبادة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سماه عبادة، فقال:"الدعاء هو العبادة"، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم بسند صحيح من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، وفي الحديث: (الدعاء مخ العبادة) : ومخ الشيء خالصه، وهو حديث أخرجه الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه بسند ضعيف؛ فيه عبد الله بن لهيعة (وهو ضعيف) ، والدليل الخاص من القرآن على أن الدعاء عبادة: أن الله تعالى سماه عبادة، والدليل قوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} : فسماه تعالى عبادة في قوله تعالى: (عن عبادتي) ، والدليل العام على أن صرف الدعاء لغير الله شرك: أن الله تعالى نهى عن صرفه لغيره، فقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} سورة الجن (18) ، وذم من صرفه لغيره، فقال تعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} سورة المؤمنون (117) ، وأن الله تعالى خص به نفسه، فقال سبحانه: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} سورة غافر (65) ، والدليل الخاص على أن صرف الدعاء لغير الله شرك: أن الله سماه شركًا، فقال تعالى: {إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} سورة فاطر (14) .
ودليل الخوف: قال ابن عثيمين رحمه الله: الخوف هو انفعال يحصل بتوقع ما فيه هلاك أو ضرر أو أذى، والدليل على أن الخوف عبادة: أن الله تعالى أمر به وعلق عليه الإيمان، فقال سبحانه: {وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} سورة آل عمران (175) ، والدليل على أن صرفه لغير الله شرك: أن الله تعالى نهى عن صرفه لغيره كما في: قوله تعالى: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} ، ودليل الرجاء: والرجاء هو طمع الإنسان في أمر قريب، ولا يكون الرجاء صحيحًا