والعرش، والثاني: تعاقب الليل والنهار في انتظام دقيق، والثالث: جريان الشمس والقمر والنجوم على اتساق بديع، والرابع: كثرة خيره وبركاته وأفضاله على عباده سبحانه؛ كل هذه الأدلة وغيرها تؤكد أن له سبحانه التفرد بالأمر والحكم كما أنه سبحانه تفرد بالخلق والتدبير (ألا له الخلق والأمر) ، وهذه عادة القرآن فكثيرًا ما يقرر ما جحدوه من توحيد الألوهية بما أقروا به من توحيد الربوبية؛ فإن توحيد الربوبية هو الدليل الأوضح والبرهان الأعظم على توحيد الألوهية، والرب هو المعبود: المعبود أي المألوه المستحق أن يُعبد سبحانه دون ما سواه، والدليل قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون - الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون} : فاستدل على وجوب عبادته وحده وترك عبادة غيره: بخلقه سبحانه للناس المتقدمين والمتأخرين، وخلقه للأرض وبسطها، وخلقه للسماء ورفعها، ورزقه للناس المتقدمين والمتأخرين ماءً يشربونه وثمراتٍ يأكلونها، وهذا أول أمر يمر عليك في المصحف؛ كما أن أول فعل جاء في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} سورة الفاتحة (5) ، وهذا يفيدك عظم شأن التوحيد وأنه أول واجب على العبيد، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: هو أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي الحافظ، صاحب تفسير ابن كثير والبداية والنهاية، (701 - 774 هـ) ، (الخالق لهذه الأشياء: أي لما سبق ذكره، وأصل الخلق إيجاد المعدوم على تقدير واستواء، وإبداعه من غير أصل سابق ولا ابتداء متقدم، قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} سورة البقرة(117) ، وقال: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سورة الشورى (11) ، هو المستحق للعبادة): وهذه نقلها المصنف بمعناها، وكأنه كان يكتب من حفظه رحمه الله، وعبارة ابن كثير في تفسيره 1/ 88: أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم؛ فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره، وأنواع العبادة: أي أصنافها وصورها، والعبادة أنواع، قد تكون قلبية أو قولية أو فعلية أو مالية أو تركية أو مركبة، وتأتينا أمثلتها في الأصل الثاني، التي أمر الله بها: وهذا أحد ضوابط العبادة، فالعبادة كل ما أمر الله به، والتعريف الجامع لها ما سبق نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في رسالته"العبودية": هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وتعرف بأمور: (1) أن يأمر الله بها أو رسوله - صلى الله عليه وسلم -. (2) أن يُنص على أن الله يحبها. (3) أن يثني عليها الله أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو على من فعلها. (4) أن يعلق عليها الإيمان أو يرتب عليها الإثابة أو الإجابة، وتأتينا أمثلة هذه الضوابط قريبًا، مثل الإسلام والإيمان والإحسان: بدأ المصنف رحمه الله قبل ذكر العبادات بذكر أصولها التي ترجع إليها، وأصول الدين ثلاثة، وإليها تنقسم العبادات: الإسلام ويشمل العبادات الظاهرة، والإيمان ويشمل العبادات الباطنة، والإحسان ويشمل إتقان العبادات الظاهرة والباطنة، هذه مراتب الدين، وقد جاء الثناء عليها وعلى أهلها؛ فتكون هذه المراتب مما يحبه الله ومما أمر به، ومنه: أي من أنواع العبادة، الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر: هذه العبادات أكثرها قلبية وبعضها قولية وبعضها فعلية، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها: ذكرها أولًا مجملة، ثم فصلها وبين أدلتها بعد ذلك، كلها لله تعالى: فلا تصرف لغيره أيًا كان، والدليل قوله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا} : والمساجد جمع مسجد، وهي بيوت الله تعالى التي أمر أن ترفع لإقامة عبادته؛ فلا يحل لأحد أن يعبد فيها غير الله تعالى، وأحدًا نكرة في سياق النفي فتعم سائر المدعوين من دون الله، فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر: الكافر إما