الصفحة 10 من 26

ويحرمون ما أحل الله لكم فتحرمونه؟"فقلت: بلى، فقال:"تلك عبادتهم"، ومقصود المصنف بقوله: من ربك؟ أي من معبودك؟ لأن الفتنة إنما وقعت في توحيد الألوهية، وعليها سيكون السؤال في القبر."

فقل: ربي الله الذي رباني: أي أصلحني وأمدني وهيأ لي، قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: التربية هي إنشاء الشيء حالًا فحال إلى الكمال، وربى جميع العالمين بنعمه: فسر المصنف الرب بالتربية؛ كما في قوله تعالى: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى - قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} سورة طه (49 - 50) ، والتربية تربيتان: تربية عامة لجميع الخلق بخلقهم ورزقهم والإنعام عليهم، فالرب يطلق على المالك والمتصرف والقائم بالأمر، وربوبية الله على خلقه قيامه سبحانه بسائر شئونهم، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الحي القيوم سبحانه، وتربية خاصة بالإيمان واليقين وتزكية النفوس، وحقيقتها التوفيق لكل خير والعصمة من كل شر؛ لذا كان أكثر دعاء الأنبياء في القرآن سؤال الله باسمه الرب، وهو معبودي ليس لي معبود سواه: وهذا تفسير باللازم، فإن توحيد الله في ربوبيته يقتضي توحيده في ألوهيته واستحقاقه للعبادة وحده، والدليل قوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين} : الحمد هو الإخبار عن صفات المحمود على وجه المحبة والتعظيم، فإن خلا عن المحبة والتعظيم فهو مدح لا حمد، ويحمد الله على أفعاله ونعمه، كما يحمد على جليل أسمائه وكريم صفاته سبحانه، كما في الفاتحة: (الحمد لله رب العالمين - الرحمن الرحيم - مالك يوم الدين) ، واللام في (لله) للاستحقاق، فالله هو المستحق أن يحمده العالمون، والعالمون مفرد عالم، وكل من سوى الله عالم: لأنهم علمٌ على خالقهم ورازقهم ومدبرهم سبحانه، فالمربوبون هم العالم، وأنا واحد من ذلك العالم: فيجب عليّ أن أعبده وحده وأفرده بالعبادة.

فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟: أي استدللت على ربوبيته وألوهيته، فقل: بآياته ومخلوقاته: الآية العلامة الدالة على المدلول، وكل خلق في الوجود دال على عظمة الله تعالى، قال الشاعر: وفي كل شيء له آيةٌ تدل على أنه الواحد، وآيات الله ثلاثة أنواع: آيات منزلة؛ من الوحي المنزل على الأنبياء، وآيات آفقية؛ كالشمس والقمر، وآيات نفسية؛ وهي ما يجده الإنسان في نفسه من فطرة تدله على ربه، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} سورة فصلت (53) ، ومخلوقات الله تعالى دلت على وجود الخالق العظيم، المحكم القادر على كل شيء، المدبر لشئون سائر المخلوقات، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر: هذه آيات متغيرة على مدار اليوم والشهر والسنة، وإحكام خلقها وتغيرها في تناسق بديع وإحكام متقن تدل على وجود اللطيف الخبير، ومن مخلوقاته السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهما: فالتفكر في السموات السبع والأرض السبع: باتساع أجرامها، وما في السماء من نجوم وأفلاك وملائكة، وما في الأرض من بحار وجبال وسهول وبشر، وما بينهما، وما يحصل لهما يوم القيامة دليلٌ على أحدية الله في ربوبيته وألوهيته، والدليل قوله تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} : ووجه الدلالة أن في خلق هذه الآيات دلالات ظاهرة على وجوب السجود والخضوع لخالقهن، وعدم السجود والخضوع لغيره سبحانه، وقوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا: أي يغطي الليل النهار ويعقبه سريعًا، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره: أي مذللات بتدبيره سبحانه، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} : وفي هذه الآية أربعة أدلة كريمة على إثبات العبودية لله وحده: الأول: خلق السموات والأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت