وأمَّا النَّظرُ الدَّقيقُ فيحكمُ بأنَّ صريحَ الحديثِ يدلُّ على عدمِ حلِّ لُبْسِ الخُفَّيْن المقطوعَيْن عند وجدانِ النَّعلين، فهو الأحقُّ بالأخذ؛ وذلك لأنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ نهى عن لُبْسِ الخُفَّيْن مطلقًا بقوله: (وَلاَ الخِفَاف) (1) ، ثمَّ استثنى عنه حالةَ وجدانِ النَّعلَيْن، وهو استثناءٌ مفرغ (2) ، فالمعنى لا يلبسُ المحرمُ الخفافَ في حالةٍ من الأحوالِ إلا في حالةِ عدمِ وجدانِ النَّعلَيْن، فأفادَ جوازَ لُبْسِ الخُفَّيْن المقطوعَيْن في وقتٍ خاصٍّ عند حالةٍ خاصّة، وما سوى الاستثناء بقيَ على حاله: أي النَّهي، فيكونُ لُبْسُ الخُفَّيْن في حالةِ وجدانِ النَّعلَيْن منهيًّا عنه قطعًا، وتعليقُ الشَّيءِ بالشَّرطِ وإن كان لا يقتضي نفيَ المشروطِ عند عدمِه، لكنَّ هذا ما لم يقمْ دليلٌ آخر، وهاهنا قامَ دليلٌ آخر، وهو مفادُ الاستثناء؛ لإفادةِ نفي المشروطِ عند عدمِ الشَّرط.
والقياسُ على ما ذكرُوهُ في بحثِ السِّواكِ غيرُ مستقيم؛ لأنه قد وردَ في إجزاءِ الأصابعِ عن صاحبِ الشَّرعِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم: (يُجْزِئُ مِنَ السِّوَاكِ الأَصَابِع) (3) ، خرَّجَهُ البَيْهَقِيّ وغيرُهُ عن أنسٍ مرفوعًا.
فأفادَ إجزاءَ الأصابعِ مطلقًا، ولا كذلك في هذا البحث، فافهمْ فإنه دقيق، وبالتَّأمُّلِ حقيق.
-مسألة -
(1) سبق تخريجه (ص90) .
(2) الاستثناء المفرغ: أي أن ما قبل الحرف تفرغ للعمل فيما بعده، حيث تكون جملة الاستثناء غير تامة وغير موجبة ألغيت (إلا) ، وأعرب ما بعدها حسب موقعه من الجملة. ينظر: (( التطبيق النحوي ) ) (ص304) .
(3) في (( سنن البيهقي الكبير ) ) (1: 40) ، وقال البيهقي: حديث ضعيف، و (( الأحاديث المختارة ) ) (7: 252) ، وقال المقدسي: إسناده حسن.