الصفحة 48 من 249

وأمّا أهلُ الإشارة (1) فقد ذكرُوا في ذلك وجوهًا:

أحدُها: إنَّ النَّعلَ يُفسَّرُ في النَّوم: الزَّوجة والولد، فقولُهُ تعالى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} (2) إشارةٌ إلى أنه لا يلتفتُ خاطرُهُ إلى الزَّوجةِ والولد، وأن لا يبقى مشغولًا بأمرِهما.

وثانيهما: إنَّ المرادَ بخلعِ النَّعليْنِ تركُ الالتفاتِ إلى الدُّنيا والآخرة بأن يصيرَ مستغرقَ القلبِ بالكُليَّةِ في معرفةِ اللهِ تعالى.

والمرادُ بالوادي المقدَّسِ وادي قدسِ اللهِ تعالى وجلالِه.

وثالثهما: إنَّ الإنسانَ حالَ الاستدلالِ على الصَّانعِ لا يمكنُهُ أن يتوصَّلَ إليه إلاَّ بمقدِّمتيْن وهما يشبهانِ النَّعلين؛ لأنَّ بهما يتوصَّلُ العقلُ إلى المقصود، وينتقلُ من النَّظرِ في الخلقِ إلى معرفةِ الخالق، فكأنه قيل له: لا تكنْ مشتغلَ القلبِ والخاطرِ بتلك (3) المقدِّمتين؛ لأنك وصلتَ إلى الوادي المقدَّسِ الذي هو بحرُ معرفةِ اللهِ تعالى، ولُجَّةُ (4) اُلوهيّته. انتهى كلامه.

ثم قال: ليس في الآيةِ دلالةٌ على كراهةِ الصَّلاةِ والطَّوافِ في النَّعل، والصَّحيحُ عدمُ الكراهة؛ وذلك لأنا إن علَّلنا الأمرَ بخلعِهما بتعظيمِ الوادي كان الأمرُ مقصورًا على تلك الصُّورة.

(1) أي أهل التفسير الإشاري، وهم الصوفية، قال عبد الله بن الصديق الغماري في (( بدع التفاسير ) ) (ص 150) : التفسير الإشاري الذي يسلكه الصوفية في تفاسيرهم، وذلك أنهم حين يتكلَّمون على آية من القرآن، يقرُّون تفسيرها اللفظي كما ذكره المفسرون، ويأخذون منها بعد ذلك معنى إشاريًا يتصل بما يفيضون فيه من مقامات وأحوال، ومعارف وأسرار. ا. هـ.

(2) من سورة طه، الآية (12) .

(3) في الأصل: بتنيك.

(4) لُجَّة: يقال لُجَّة الماء: أي معظمه. ينظر: (( مختار الصحاح ) ) (ص 592) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت