وكذلك الورقةُ يجدُها الإنسانُ مطروحةً فيها اسمُ اللهِ تعالى أو نبيٍّ أو غيرِهِ تعظيمهما بإزالتها من موضعِ المهنةِ لا بتقبيلها. انتهى كلامه.
قال المقرئ: فإن قلت: هذا الذي قاله ابن الحاجِ من الكراهةِ فيما ذكرِ مخالفٌ لما قدَّمتمُوه عن غيرِ واحدٍ من العلماءِ المالكيَّةِ في لثمِهم نعالَ النَّبيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام، وأمرِهم في كلامِهِم بلثمِه، فهل الصَّوابُ معهم، أو مع ابن الحاجّ؟
قلت: لعلَّ مَن فعلَهُ قلَّدَ مَن يرى جوازَ ذلك من علماءِ الأمَّة، ولولا أمرِهِم باللَّثمِ والتَّقبيل، لكن إن يقال: غلبَهم الشَّوقُ ففعلوا ما فعلوا، وحكى جماعةٌ من الشَّافعيةِ أنَّ الشَّيخَ العلاَّمةَ تقيُّ الدِّينِ أبا الحسنِ عليًَّا السُّبكيّ الشَّافِعِيّ (1) لمَّا تولَّى تدريسَ دارِ الحديثِ بالإشرفيَّةِ بالشَّامِ بعدَ وفاةِ الإمامِ النَّواوي، أحدُ مَن يفتخرُ به المسلمون، خصوصًا الشَّافعيَّة، أنشدَ لنفسِه:
وفي دارِ الحديثِ لطيفُ معنى
إلى بسطٍ لها أصبوا اداوي
لعلِّي أن أمسَّ بها بحرَ وجهي
مكانًا مسَّهُ قدمُ النَّواوي
وإذا كان هذا في آثارِ مَن ذكر، فما بالكَ بآثارِ مَن شرفَ الجميعُ به.
وما أحسنَ قولُ السيِّدِ العلاَّمةِ أحمدُ بن محمَّدٍ البخاريِّ الحنفيّ مغيِّرًا لبيتيّ التَّقيِّ السُّبكيّ في غارِ حرا المتشرِّفِ بمَن رفعَ اللهُ به العالمين:
في غارِ الرَّسولِ لطيفُ معنى
تحنُّ إلى جوانبِهِ عظامي
لعلِّي أن أمسَّ بها بحرَ وجهي
مكانًا مسَّهُ قدمُ التَّهامي
(1) وهو علي بن عبد الكافي بن علي السُّبْكيّ الأنصاريّ الخَزْرَجيّ، أبو الحسن، تقي الدِّين، والسُّبْكيّ نسبة إلى سُبْك من أعمال المنوفية، شيخ الإسلام في عصره، من مؤلفاته: (( الدر النظيم في التفسير ) )لم يتم، و (( مجموعة فتاوى ) )، و (( الابتهاج في شرح المنهاج ) )، (683 - 756 هـ) . ينظر: (( الدرر الكامنة ) ) (3: 63 - 71) ، (( الأعلام ) ) (5: 116) .