وعندي أنَّ لبسَ النَّعلِ الصَّفراءِ جائز، لاسيّما وقد قال به الزَّبيرُ وابنُهُ عبدُ الله، ويحيى بن كثير، والقضاةُ في مصرَ والشَّامِ وغيرهم يلبسونَها في سائرِ الآفاق.
وقولُ ابنُ الجَوْزِيِّ في (( تلبيسِ إبليس ) ): إنَّ لُبْسَها مكروه، ويحملُ على غيرِ القضاة.
جوابُه: إنه تكلُّفٌ واضح، والظَّاهر أنَّ مَن قال: لُبْسُ النَّعلِ الصَّفراءِ يكسبُ سرورَ لابسِهِ واستدلَّ بقولِ اللهِ تعالى: { تَسُرُّ النَّاظِرِين } مطالبٌ بغيرِ هذا الدَّليل، وذلك أنَّ الضَّميرَ عائدٌ إلى البقرةِ لا إلى النَّعل.
وأمَّا بيانُ إبطالِ الدَّليل، فإنَّ المستدلَّ جعلَ اللَّونَ الأصفرَ الفاقعَ علَّةً للسُّرور، وطرَّدَ العلَّة، وعَدَّاها إلى النَّعل، فتنتقضُ هذهِ العلَّةُ بحكمٍ آخر، وهو أنه يجوزُ أنَّ اللهَ تعالى لو أرادَ أن يخلقَ هذه البقرةَ غيرَ صفراءٍ لخلقَها، وسرورُ النَّاظرينَ لا يفارقها، فعلمنا أنَّ علَّةَ سرورِ النَّاظرينَ هو ذاتُ هذه البقرةَ لا لونها. انتهت عبارةُ بعضِ الأئمَّة.
قلت: ما قال: إنَّ الضَّميرَ عائدٌ إلى البقرةِ لا إلى النَّعلِ صحيحٌ لا ريب فيه، ولم يقلْ أحدٌ بخلافِه، بل لا يمكن ذلك، وإنّما مدارُ استدلالِ المستدلِّينَ على أمرٍ آخر، وهو ما ذكرناهُ سابقًا (1) ، وما ذكرَهُ في إبطالِ الدَّليلِ فباطلٌ يخالفُ كلامَ أئمَّةِ التَّفسير، فإنَّه يدلٌّ على أنَّ السُّرورَ لبعضِ أوصافِ البقرة، كصفاءِ الصُّفرةِ لا لذاتها، كيف لا؟ وقد تقرَّرَ في مقرِّهِ أنَّ الجواهرَ كلُّها متماثلة، فلا مزيةَ لنفسِ ذاتِ بقرةِ بني إسرائيلَ على غيرها، حتى يقال إنّها بذاتها تسرٌّ النَّاظرينَ دون غيرها، فالمدارُ إنّما هو على الأوصاف، فافهمْ فإنه دقيق، وبالتَّأمُّلِ حقيق.
(1) وهو أنها تسرُّ النَّاظرينَ ليس إلا لأجلِ صفاء لونها.