فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 291

من يقول بالتوقف لأنه سأل فقال أكل عام، ولو كان مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه لم يسأله ولقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا حاجة إلى السؤال بل مطلقه محمول على كذا، وقد يجيب الاَخرون عنه بأنه سأل استظهارًا واحتياطًا. وقوله:"ذروني ما تركتكم) ظاهر في أنه لا يقتضي التكرار، قال الماوردي: ويحتمل أنه إنما اشتمل التكرار عنده من وجه آخر لأن الحج في اللغة قصد فيه تكرر فاحتمل عنده التكرار من جهة إِلاشتقاق لا من مطلق الأمر، قال: وقد تعلق بما ذكرناه عن أهل اللغة ههنا من قال بإيجاب العمرة، وقال: لما كان قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} يقتضي تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق، وقد أجمعوا على أن الحج لا يجب إلا مرة كانت العودة الأخرى إلى البيت تقتضي كونها عمرة لأنه لا يجب قصده لغير حج وعمرة بأصل الشرع. وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"لو قلت نعم لوجبت) ففيه دليل للمذهب الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يجتهد في الأحكام ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي وقيل يشترط، وهذا القائل يجيب عن هذا الحديث بأنه لعله أوحى إليه ذلك والله أعلم. قوله صلى الله عليه وسلم:"ذروني ما تركتكم) دليل على أن الأصل عدم الوجوب وأنه لا حكم قبل وزود الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نعبث رسولًا} . قوله صلى الله عليه وسلم:"فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) هذا من قواعد الإسلام المهمة ومن جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك وأمكنه البعض فعل الممكن، وإذا وجد ما يستر بعض عورته أو حفظ بعض الفاتحة أتى بالممكن، وأشباه هذا غير منحصرة وهي مشهورة في كتب الفقه والمقصود التنبيه على أصل ذلك، وهذا الحديث موافق لقول الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وأما قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} ففيها مذهبان: أحدهما أنها منسوخة بقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} والثاني وهو الصحيح أو الصواب وبه جزم المحققون أنها ليست منسوخة بل قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} مفسرة لها ومبينة للمراد بها، قالوا: وحق تقاته هو امتثال أمره واجتناب نهيه ولم يأمر سبحانه وتعالى إلا بالمستطاع، قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} . وقال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} والله أعلم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) فهو على إطلاقه فإن وجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة أو شرب الخمر عند الإكراه أو التلفظ بكلمة الكفر إذا أكره ونحو ذلك فهذا ليس منهيًا عنه في هذا الحال والله أعلم. وأجمعت الأمة على أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بأصل الشرع وقد تجب زيادة بالنذر، وكذا إذا أراد دخول الحرم لحاجة لا تكرر كزيارة وتجارة على مذهب من أوجب الإحرام لذلك بحج أو عمرة، وقد سبقت المسألة في أول كتاب الحج والله أعلم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت